
سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح
يلقي الخطاب الأميري أثناء افتتاح الدور الرابع من الفصل التشريعي العاشر لمجلس الأمة
الثلاثاء 17 أكتوبر 2005
--------------------
تفضل ممثل سمو أمير البلاد سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح
بافتتاح دور الانعقاد العادي الرابع من الفصل التشريعي العاشر لمجلس الامة، والقى
النطق السامي ايذانا ببدء دور الانعقاد قائلا:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لي الشرف ان أمتثل لأمر سيدي صاحب السمو امير
البلاد حفظه الله ورعاه، فافتتح نيابة عنه، دور الانعقاد العادي الرابع من الفصل
التشريعي العاشر لمجلس الامة.
بسم الله الرحمن الرحيم.. ايها الاخوة، اهنئكم بشهر رمضان المبارك داعيا الله
سبحانه وتعالى ان يتقبل صيامكم وقيامكم، ويعينكم على طاعته ومرضاته.. اخواني ان
محبة الوطن ليست كلمات تردد من الافواه وتختفي في الهواء، فلا الوطن ولا المواطن
يجني منها شيئا، ان محبة الوطن ترجمة لأعمالنا وسلوكنا ونتائج ملموسة يراها المواطن
على ارض الواقع ويتعايش معها.
اخواني أحبوا الكويت بالأعمال والافعال وليس بالكلمات والاقوال. اللهم اجعل وطننا
الكويت بلدا آمنا مطمئنا، واجعل شعبه مؤمنا بكتابك العزيز، وبنبيك الكريم وبرسالتك
السمحاء، وأتمم علينا نعمك واجعلنا لها من الشاكرين.
والله سبحانه وتعالى يوفقكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وفي ما يلي نص الخطاب الأميري:
الأخ رئيس مجلس الأمة الموقر
الإخوة الأعضاء المحترمون
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله جلت قدرته، والحمد لله الذي سدد خطانا بنور الإسلام، ونحمده تبارك وتعالى
على ما حبانا به من واسع العطاء ووافر الخيرات، نلهج له بالثناء والعرفان، ونسأله
ان يمدنا بعونه، فهو الموفق والهادي الى سواء السبيل، وهو المولى ونعم النصير.
ولقد شاءت إرادة المولى القدير، ان يأتي موعدنا لتجديد العهد على حمل الأمانة
بافتتاح الدور العادي الرابع من الفصل التشريعي العاشر لمجلس الأمة، في ظل ايام
عظيمة مباركة، ندعو الله سبحانه وتعالى ان تكون بشارة خير وبركة علينا جميعاً.
تحيات الأمير وولي العهد
وانه ليسعدني ويشرفني بهذه المناسبة الكريمة، ان انقل اليكم والى الشعب الكويتي
الأبي الوفي، تحيات وتمنيات حضرة صاحب السمو الأمير وسمو ولي عهده الأمين حفظهما
الله، سائلين المولى عز وجل ان يديم عليهما موفور الصحة والعافية والعمر المديد،
لتتواصل نفحات فيضهما الحكيمة وعطاؤهما المبارك، لما فيه خير هذه الأرض الطيبة
وأبنائها البررة.
حقوق المرأة
الأخ رئيس مجلس الأمة الموقر..
الإخوة الأعضاء.. المحترمون
لقد شهد العالم المنصرم إنجازات عدة، لعل أبرزها تجسيد الرغبة السامية لحضرة صاحب
السمو الأمير، حفظه الله، بحصول المرأة الكويتية على حقوقها السياسية الكاملة في
الترشيح والانتخاب لعضوية مجلس الأمة، وتكرست هذه النقلة التاريخية بتعيين أول
وزيرة في الحكومة الحالية، وكذلك أول امرأتين في المجلس البلدي، ويسجل لمجلسكم
الموقر هذا الانجاز الحضاري التاريخي المميز.
مواجهة الإرهاب
وعلى صعيد آخر، لعلنا نستذكر ـ بكل اعتزاز ـ فزعة الجميع الى مواجهة الأحداث
الإرهابية البغيضة التي شهدتها البلاد في الأشهر الماضية، ولن يغيب عن بالنا
التضحيات البطولية لأبنائنا الشهداء الأبرار الذين قضوا ضحية هذه الأعمال الإجرامية
المشينة، التي رفضها واستنكرها المجتمع الكويتي بكل شرائحة وفئاته، وقد بادرت
الحكومة عبر خطوات مدروسة بالعمل على تكريس الوسطية والاعتدال كمنهج حياة، مؤكدة
على أهمية تضافر الجهود التربوية والتعليمية والإعلامية والبحثية في التزام هذا
المنهج سبيلا للعيش القويم، فيما يجنب أبناءها محاذير التطرف والتعصب في الفكر
والسلوك والانزلاق في متاهات الضلالة والانحلال، ويحمي المجتمع من دعوات التفرقة
الدخيلة تحت أي مسمى، اهتداء بقوله تعالى «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء
على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا» صدق الله العظيم.
المجتمع المدني
وفي إطار السعي لتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني، فقد تم اشهار عدد من جمعيات
النفع العام، لكل منها نشاطها النوعي، وذلك وفقا للضوابط والشروط المعتمدة في هذا
الشأن، آملين أن يشكل نشاطها إسهاما ايجابيا في خدمة المجتمع، كما تم اتخاذ العديد
من الاجراءات والتدابير العملية في مجال صيانة حقوق الإنسان والمحافظة على كرامته
واحترام الذات الإنسانية، وذلك في اطار المبادئ والقيم الدينية والأخلاقية التي جبل
عليها المجتمع الكويتي.
وفي سياق الجهود الإصلاحية المستهدفة على المستوى الإداري، تواصلت خطوات تطبيقات
الحكومة الالكترونية، وتطوير الجهاز الإداري للدولة، فيما يعزّز العمل المؤسسي في
رعاية مصالح المواطنين.
برنامج عمل الحكومة
وفي اطار المراجعة الذاتية للعمل الحكومي، استهدافا لنهج تخطيطي يجسد الرؤية
الاستراتيجية للتنمية المستدامة، قريبة وبعيدة المدى، تعمل الحكومة على معالجة ما
يشوب برنامج عملها الحالي من قصور ومثالب، كما اتخذت الاجراءات اللازمة لتحديث
وتعديل توجهاتها التخطيطية في ضوء شمولية الرؤية بمعطياتها المنظورة والمتوقعة،
وتطوير أسلوب إعداد برنامج عمل الحكومة بحيث يستوعب المطالب والقضايا التنموية على
نحو يكفل التوازن بين الطموحات والإمكانات المتاحة، مرتبة بأولوياتها، شاملا
الآليات الجادة في التنفيذ المبرمج والمتابعة التقييمية، بما يضمن تحقيق المنشود من
الغايات والأهداف.
قياس الأداء بالإنجاز
الإخوة رئيس وأعضاء مجلس الأمة الموقر
إن الانفتاح السياسي والاقتصادي استحقاق محلي وإقليمي ودولي، تمليه اعتبارات بناء
الدولة العصرية القادرة على التعامل مع مقتضيات التنمية ومعطيات التغير في ظل نظام
عالمي جديد، فرض نفسه على شعوب العالم قاطبة.
والواضح تماما أننا نشهد واقعا دوليا تنهار فيه الحواجز ويزداد التنافس بين شعوبه
في الانتاج النوعي واستخدامات التكنولوجيا والمعرفة العلمية المتطورة في بلوغ
المنشود من الغايات والأهداف التنموية، وبالتالي يبقى هذا الأمر فيما يخصنا، محسوما
في ارتباطه بمستوى تعاوننا وقدرتنا الذاتية على التفاعل مع هذا الواقع بمعطياته
وأدواته واستيعاب أبعاده.
والحكومة التي بادرت مسبقا الى تكثيف جهودها لانجاز اكبر قدر من القضايا العالقة
وحل المتراكم من الأمور، فإنها لا تعد بأكثر مما تستطيع الوفاء به، مؤكدة على
مكاشفة ومصارحة المواطنين بالحقائق، وحرصها على الواقعية في التشخيص والمعالجة
العلمية والعملية للمشكلات والمعوقات المواجهة فيما يحقق مصلحة الوطن والمواطنين.
والحقيقة ان ما تحقق من انجازات غير قليل ولكنه لا يبلغ مستوى الطموحات، وجميعنا
شريك في المسؤولية، فالحكومة لا يمكنها تحمل الأعباء لوحدها، وقياس الأداء بالإنجاز
يعنينا جميعا، ولعلها دعوة لازمة للتعاون الإيجابي المثمر، في انتظار المزيد من
الانجازات.
خطة خمسية بالأرقام
هذا، وستتقدم الحكومة الى مجلسكم الموقر بالخطة الخمسية 2007/2006- 2011/2010، وهي
خطة تعتمد على الارقام وبشكل يسهم في تدعيم مقومات التنفيذ.
وتجدر الاشارة الى ان تطلعاتنا، لا تقف عند حدود هذه الخطة الزمنية التي تمثل حلقة
من حلقات رؤيتنا الاستراتيجية التي نعمل على بلورتها بشفافية معاصرة وصيغ واضحة
مدروسة، والتي تشكل حزمة جهود عملية وتنظيمية باتجاه مستقبل نريد فيه ان تكون
الكويت مركزا اقليمياً متقدماً للتجارة والخدمات المالية، وخدمات تكنولوجيا
المعلومات والاتصالات، ومحوراً اقليمياً متطوراً للنقل والمواصلات، ومنبراً متميزاً
للثقافة والمعرفة والبحث العلمي.
لقد دارت عجلة الاصلاح والتطوير والتنمية الشاملة نحو غدٍ واعد بإذن الله، وكلنا
مسؤول عن استحقاقاتها، وحمل الأمانة لأبنائنا واحفادنا، كما حملها روادنا الأوائل
الذين سيظلون رموزاً خالدة في ذاكرتنا دائماً.
اختلالات سوق العمل
والحكومة اذ تضع في اولوياتها القضايا التي سبق ورودها في الخطاب الاميري بمناسبة
افتتاح دور الانعقاد العادي الاول لهذا الفصل التشريعي في شهر يوليو سنة 2003، وذلك
في اطار برنامج عمل الحكومة حيث الجهود قائمة على تنفيذه، فان ثمة قضايا ملحة لا
تخرج عن هذا الاطار ستكون محل اهتمام الحكومة، وتتمحور حول الامن بمختلف ابعاده
وقضاياه ومجالاته، والفساد بمجمل مظاهره وآليات محاربته، بما يقتضيه هذا المشروع
الوطني من تضافر جميع الطاقات والامكانات الرسمية والاهلية. لاسيما مؤسسات المجتمع
المدني، وبما يكرس عملاً مؤسسياً متقدماً يحرص الجميع على ترسيخه، تحقيقاً للغايات
المنشودة، كما تتمحور حول معالجة اختلالات سوق العمل وتوفير فرص العمل المنتجة
للقوى العاملة الوطنية، واستنفار الجهود كافة نحو الاهتمام بالشباب ومناحي حياتهم
المختلفة، ومواصلة الجهود القائمة على تطوير مناهج التعليم ومضامينه في كل فروعه
ومستوياته، على الصعيدين التربوي والاكاديمي، والاهتمام بمكانة المعلم والارتقاء
بكفاءته، وعلى نحو يسهم في حماية النشء من مخاطر العصر ويعمق مشاعر الولاء الوطني
ويكرس قيم العمل الجاد، ويواكب افضل التجارب العالمية الرائدة في التحصيل العلمي
واستقطاب المعرفة النوعية في بناء الإنسان الواعي بمسؤولياته، المتمكن من مواجهة
التحديات على اختلافها.
تطور البنى التحتية
وعلى خط مواز، تتابع الحكومة مسيرتها في تطبيق سياسة الاقتصاد الحر والانفتاح
الاقتصادي القائم على نظام آلية السوق، وتطوير وتأهيل المرافق والبنى التحتية من
موانئ ومطارات ووسائل نقل ومواصلات واتصالات، وتشجيع اجتذاب الشركات والبنوك
العالمية وتنشيط سوق الأوراق المالية وتوسيع دائرة التبادل التجاري الدولي وتعزيز
الأنشطة السياحية الهادفة، وتنقية المناخ الاستثماري وتهيئة التشريعات بما يفسح
المجال للقطاع الخاص لممارسة دوره الايجابي المأمول في الاقتصاد الوطني، واستخدام
وسائل اقتصادية متطورة كنظام البناء والتشغيل ونقل الملكية ونظام المبادرات، بما
فيها المشروعات الصغيرة، الى جانب تفعيل برنامج «الأوفست»، وذلك كله وفق ضوابط
عملية تكفل الشفافية وتكافؤ الفرص وعدم المساس بأصحاب الدخول المتدنية، الى جانب
العمل على تطوير العلاقات في المنظمات العالمية ذات العلاقة، بما يؤدي الى اطلاق
عجلة النمو في الاقتصاد الوطني ويدعم القاعدة الانتاجية في مختلف القطاعات ويوفر
المزيد من فرص العمل.
وفي مجال خدمات الرعاية بأنواعها، تحرص الحكومة على تقديمها في اطار توازن مدروس
بين متطلبات التنمية الاقتصادية واعتبارات العدالة الاجتماعية وشبكة الامان
الاجتماعي والأمن الصحي وسائر الخدمات الاخرى.
الرعاية الاسكانية
كما شهدت خدمات الرعاية الاسكانية خطوات ملموسة على طريق توفير هذه الخدمة الحيوية
لمستحقيها، وينتظر ان تتحقق المزيد من النتائج الايجابية في أعقاب التعديلات التي
اجريت على قوانين الاسكان بموجب القانون رقم 7 لسنة 2005، كما تأمل الحكومة بأن
يحقق قانون البلدية الجديد النتائج المرجوة في تطوير دور بلدية الكويت في تنمية
البلاد بعد معالجة الثغرات التي كشف عنها التطبيق العملي للقانون القديم.
ومع التزامها بحماية البيئة وصيانة مواردها الطبيعية، تعمل الحكومة على تطبيق
المعايير العالمية المعتمدة بشأن التخلص من النفايات والملوثات الضارة بالبيئة
والصحة العامة للانسان واسباب الحياة للحيوان والنبات.
ولأجل تعزيز مسيرة الاصلاح والتطوير في كل اتجاه تنموي، لاسيما فيما تقدم من قضايا،
فان الحكومة اذ تسجل بالتقدير تعاون مجلسكم الموقر في اقرار العديد من مشروعات
القوانين المهمة خلال دور الانعقاد الماضي، فإنها تأمل بأن تحظى مشروعات القوانين
المتأخرة، وتلك التي ستتقدم بها الحكومة قريبا بالاهتمام المنشود ليتم انجازها
بالسرعة الممكنة، تقديرا لأهمية هذه القوانين في تحقيق المزيد من الانجازات على
طريق خير ومصلحة البلاد وتقدمها.
العلاقات الخارجية
لقد بات لافتا ان النهج الايجابي المتوازن الذي التزمت به حكومة دولة الكويت على
صعيد علاقاتها الخارجية، يشكل محورا اساسيا لأمنها واستقرارها وحماية مصالحها
الوطنية في اطار التعاون الاقليمي والدولي القائم على المصالح المشتركة والاحترام
المتبادل.
وهذا النهج في السياسة الخارجية والحضور الدبلوماسي، انما يقوم على الثوابت الوطنية
الراسخة، ولطالما تعاملت دولة الكويت بحكمة ومسؤولية مع هموم الاسرة الدولية،
متعاونة مع الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات العالمية في تكريس الامن والسلام
والحد من ويلات الفقر والجوع والمرض، ومحاربة الارهاب بكل صوره ومظاهره ومبرراته،
ارهاب الافراد او المنظمات او الدول، ومساندة كل جهد يسهم في ملاحقة دعاته
ومسانديه، والتعاون اقليميا وعالميا ملتزمة بكل قرارات الشرعية الدولية المتعلقة
بمكافحته وتجفيف منابعه.
وعلى هذا المسار، تتابع الكويت جهودها الدؤوبة في ترسيخ العمل المشترك لدول مجلس
التعاون الخليجي، بما يحقق تطلعات شعوبها نحو التقدم والرفاه، كما تحرص على تفعيل
اتفاقيات الصداقة والتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة بما يعزز استقرارها ويحفظ
امنها.
ولعله تجدر الاشارة الى النتائج التي اسفرت عنها الجهود الحثيثة في مجال متابعة
اوضاع المعتقلين الكويتيين في غوانتنامو، من اجل تأمين استلامهم وتقديمهم لقضائنا
العادل لمحاكمتهم وفقا للقانون.
واذ تتطلع دولة الكويت الى سلام شامل ودائم تنعم به جميع شعوب المنطقة، فإنها تؤكد
على اقامة علاقات اخوية راسخة مع العراق الشقيق، تقوم على الاحترام المتبادل وسيادة
البلدين وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام الكامل بقرارات
الشرعية الدولية، تأسيسا لروابط ايجابية متينة على قاعدة المصالح المشتركة والحوار
الاخوي البناء في مواجهة القضايا الثنائية في مختلف المجالات، وتفويت الفرصة على اي
جهة تحاول الايقاع والاضرار بعلاقات البلدين والشعبين الشقيقين، وقد بادرت دولة
الكويت بتجسيد عملي لمبادئها من خلال حرصها على دعم ومساندة الشعب العراقي الشقيق،
لمساعدته على الخلاص من محنته، مؤكدة ثقتها بقدرته على النهوض وتجاوز التحديات،
والاصرار على ترسيخ مقومات الامن والاستقرار لبلده، وتوجيه جهوده نحو الاعمار
والتنمية، بما يمكن العراق الشقيق من ممارسة دوره الحضاري المأمول في المنطقة.
وفي هذا الصدد، فإن دولة الكويت تشيد بإنجاز الشعب العراقي الشقيق لعملية الاستفتاء
على دستور بلاده، معربة عن املها الصادق بأن يشكل هذا الانجاز خطوة على طريق تكريس
الديموقراطية الواعية في العراق واستعادة امنه واستقراره وبناء مستقبله الواعد.
فصل السلطات
ان الحكومة اذ تتمسك بمبدأ فصل السلطات مع تعاونها، فلأنها تؤكد على حياد
واستقلالية القضاء الكويتي ونزاهة رجاله، كما تحرص على مساندته وعدم التدخل في شؤون
السلطة القضائية.
وحيث لا يجوز لأي سلطة النزول عن كل او بعض اختصاصها، فإن التعاون بين السلطتين
التشريعية والتنفيذية يبقى المحور الرئيسي في ايجاد شراكة ايجابية قوامها الحوار
الرصين والثقة المتبادلة في احتواء اي تباين في الرأي والرؤية، سبيلا لتوفير
الاجواء الملائمة لقيام مجلس الامة بدوره الرقابي والتشريعي، ملتزما بأحكام الدستور
والقوانين وثوابت الاعراف البرلمانية.
ان الاختلاف سمة ايجابية، ويبقى مصدر اثراء للعمل البرلماني ما لم يتحول الى صراع،
وليس في الانتقاد ما يضير ما دام بنّاء ومحكوما بأدبيات السلوك البرلماني.
اننا نتفق جميعا على ان استخدام الادوات الرقابية حق دستوري مكفول، وانها من اهم
مقومات ودعائم الحكم الديموقراطي، طالما يتم توظيفها في خدمة القضايا الحيوية
والمصالح الوطنية.
وواقع الامر ان المشكلة ليست في ادوات الرقابة بحد ذاتها، بل بأسلوب ممارستها على
نحو يفضي - في كثير من الاحيان - الى حالة من التوتر والتأزيم بين السلطتين
التشريعية والتنفيذية.
مرحلة عصيبة
لقاؤنا اليوم لا يتوقف عند بيان المشهود من مجريات الحول السابق، ولا ينتهي فيما
تعتزم الحكومة اجراءه من مشروعات واصلاحات خلال العام القادم، ذلك انه في ضوء
مراجعة نافذة للمعطيات المحلية، وقراءة واعية للإسقاطات الاقليمية والدولية، ثمة
مرئيات واستحقاقات تفرض ذاتها في صلب الخطاب الوطني الشامل، لا سيما اننا لا نزال
في خضم مرحلة عصيبة بالغة التعقيد تنطوي على تحديات حقيقية في الداخل ومن الخارج،
وفي مواجهتها نكون بحق امام مسؤولية تاريخية في صياغة رؤانا وتحديد اولوياتنا ورسم
استراتيجياتنا، الفيصل فيها اجماع قاطع لا مجال فيه الا ان نكون على وعي عميق،
وتعاون جاد وثيق في تحمل المسؤوليات والارتقاء بالممارسات الى مستوى الامانة التي
نحمل والمعطيات التي نملك.
فجميعنا يتابع ما تشهده المنطقة كلها من تطورات وتغيرات وتداعيات يصعب التكهن في
وجهتها وحدود آثارها، نرصد بعضها ويبقى الكثير منها خافيا عصيا على الرصد
والمتابعة، بما يحمله كل ذلك من محاذير ليست في الحسبان، وجميعنا يدرك تماما بأننا
لسنا بمعزل عما يدور حولنا، فما نقوله يسمع، وما نفعله تحت المجهر، وكل ما نقوله
ونفعله محسوب لنا وعلينا، ويخطئ من يظن اننا خارج نطاق الارتدادات القريبة
والبعيدة، امنيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، واننا غير معنيين بها وغير ذات اثر
فينا، وهذا واقع لا يحتاج الى شرح واجتهاد وتحليل.
وينبغي ان نعترف بأننا امام تلك المتغيرات الدولية نتحرك وفق نطاق محدود، وقدرتنا
على التأثير في هذه المتغيرات ايضا محدودة، بما يجدر معه ازاء ذلك، ان نتحسس مواطئ
اقدامنا، ونحسب خطواتنا ونترجم وعينا بمخاطر هذه المرحلة ومحاذيرها، نتحاشى
سلبياتها، ونجنب بلادنا شرورها، ونحقق اكبر استفادة ممكنة، مما قد يكون لها من
ايجابيات، فإذا ما وفقنا الله تعالى الى تحقيق هذه المعادلة نكون قد حققنا لبلادنا
بعض ما نصبو اليه ونتمناه من امن وامان، وتقدم ورخاء، ولكن التاريخ لن يغفر لنا اذا
فرطنا فيما نملكه ونستطيعه، وما حبانا الله تعالى به من قدر وقدرة، وانغمسنا في ترف
العيش ولم نحسن التعامل مع القضايا المصيرية، ولن نتمكن من توصيل الامانة الى
اجيالنا القادمة بما نتمناه لها من خير ورفعة.
الوحدة الوطنية
وبعد، ايها الاخوة الافاضل، اليس بمستغرب والحال هذه، ان تطالعنا السجالات المسيئة
الى الوحدة الوطنية، عبر مزاعم فرز طائفي وقبلي وفئوي بغيض، على رغم ما تنطوي عليه
من ذرائع واهية قد تجعلها مطية فتن تهدد امن وسلامة وتعايش مجتمعنا؟ ولعمري فنحن
كلنا كويتيون ووطننا لا يحتمل مثل هذه الفتن، ولا يقبلها، وكلنا يعلم ان الفتنة
التي لم تجد طريقها لأبناء هذه الديرة الطيبة حتى في احلك الايام، فإنها لن تقوى
عليهم ابدا بإذن الله.
الأخ الرئيس... الإخوة الأعضاء.. المحترمون
اننا فعلاً في حقبة من الدهر عصيبة، وخلاصنا لن يكون إلا بوحدتنا الوطنية، فهي
القوة الذاتية التي ارساها الأولون في بناء دولتنا وتأصيل تاريخنا وتكوين حاضرنا،
وهي الإرث الذي لا نملك التفريط به في أي حال من الأحوال، ولعلنا نستذكر عظمة هذه
القوة في مواجهة التحديات، وستبقى باذن الله على قدسيتها في وجدان ابناء الكويت
جميعاً، ملاذاً للأمن والأمان ومغالبة الأنواء في كل شأن وآن.
واذا كانت الوحدة الوطنية مستقر الأمان والطمأنينة في نفوسنا، فهي عينها صمام الأمن
والسكينة في بلدنا، فالأمن نعمة لا يستقيم العيش من دونها، وكلنا مسؤول، أفراد
ومؤسسات وهيئات مجتمعية، في مواجهة محاولات النيل من أمن الوطن واستقراره، ونبذ
الفئة الضالة التي انحرفت عن كل الشرائع والنواميس الدينية والقيم والمبادئ
الانسانية، مستهدفة قتل وترويع الابرياء ونشر الرعب وتعكير صفو الحياة في البلاد.
الحرية المسؤولة
ان تجاوز هذه التحديات، لن يكون بالتنظير الاستهلاكي وتبادل الاتهامات والجدل
العقيم، كما لن يكون بالتقليل من شأنها والانشغال عنها، وانما في العمل المخلص
الدؤوب والالتزام الجاد بمبادئ اسلامنا الحنيف، والقيم الانسانية الفاضلة، وتعزيز
القدرة الذاتية المتمكنة من حسن العطاء والابداع والمنافسة في ظل دولة القانون
والمؤسسات، ارساءً للعدالة، واعلاءً لسلطة القانون، والتزاماً بالنظام المؤسسي،
ولوجاً الى العالمية في التطلعات والانجازات والانفتاح الحضاري.
وفي هذا السياق فاننا ندعو مؤسساتنا الاعلامية، واخصها الصحفية، الى ترجمة شعار
الحرية المسؤولة في صيانة ثوابتنا ومقوماتنا الاساسية، امتناعاً عن نشر ما يسيء
لوحدتنا الوطنية، ونبذ الأفكار والدعوات والطروحات المشبوهة، فيما يحوّل الألفة
الجامعة المعهودة الى تباعد ونفور، وتجنب خلق العداوات والتدخل في شؤون الدول
الأخرى.
وصحافتنا التي ننشد، منبراً اعلامياً للحرية المسؤولة، وميثاق شرف لأصحاب الرأي
المستنير، ومرجعاً مؤتمناً على دقة ومصداقية وموضوعية ما تنشر، وصاحبة رسالة وطنية
في تناول القضايا والموضوعات ودحض الافتراءات والحملات المغرضة والممارسات المسيئة
لمصلحة الكويت ووجهها الانساني والحضاري، ومطالبة بتغليب المصلحة الوطنية على ما
عداها من مصالح.
إطار صحيح لطروحاتنا
الأخ رئيس مجلس الأمة.. الموقر
الإخوة الأعضاء... المحترمون
لا نبالغ ان قلنا ان لا خيار امامنا الا ان نعمل جميعاً على رسم اطار فهم صحيح
لطروحاتنا، مستلهمين مآثر وفضائل الماضي فيما يزيدنا لحمة وسدى، كما كان آباؤنا
واجدادنا، أخوة متحابين عاشوا الحياة في حلوها ومرها في سرائها وضرائها، جبهة واحدة
متماسكة صلبة، متباذلين متعاونين.
على هذا الهدي، وبقدر ما نواجه من مسؤوليات وتحديات، فاننا مدعوون جميعاً الى
التعاون الصادق البناء لكل ما فيه تحقيق مصلحة الوطن والمواطنين.
وختاماً فالله نسأل الهداية والتوفيق، مستذكرين بالاعزاز والتقدير شهداءنا الأبرار،
مبتلهين الى العلي القدير ان يتغمدهم بواسع رحمته ويسكنهم فسيح جناته.
لنتعاون، ونحن على العهد باقون بقلوب مؤمنة ونوايا صافية صادقة وصدور عامرة بالمحبة
والوفاء فيما نقول ونعمل، فريقاً واحداً لأجل الكويت، شامخة مرفوعة الراية، لأجلنا
جميعاً ولأجل ابنائنا، تحت مظلة راعي نهضتنا وقائد مسيرتنا حضرة صاحب السمو أمير
البلاد وسمو ولي عهده الأمين حفظهما الله.
قال تعالى: «واوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤولا» صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...