
سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح ، رئيس مجلس الوزراء يلقي كلمة حضرة صاحب السمو الأمير الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح بمناسبة العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك
الكويت - الإثنين 24 أكتوبر 2005 الموافق 21 رمضان 1426 هجري
بسم الله الرحمن الرحيم
إخواني
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
وبعد
فإني احمد الله سبحانه وتعالى، وأصلي وأسلم على نبي الرحمة وسراج الأمة، محمد صلى
الله عليه وسلم، فهو الذي بشرنا، بأن كل عمل ابن ادم له إلا الصوم، فإنه لله تعالى
وحده، وهو يجزي به، ونحن نسأله سبحانه، أن تكون جائزتنا على مقدار كرمه هو، فكرمه
لا يعرف الحدود.
إخواني
حبيب إلى نفسي أن التقي بكم في العشر الأواخر كعادتنا كلما كان رمضان. فرمضان هو
شهر التواصل الحميم بين الانسان وأخيه، والإسلام هو دين السلام والمحبة والتلاقي
بين المجتمعات الإسلامية.
وليس يخفى عليكم أن أعظم ثروات الكون، هو الإنسان، ولذلك جاء النص القرآني الكريم
صريح التعبير عن تفضيل الإنسان على الكثير من مخلوقات الله: ولقد كرمنا بني ادم
وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا.
صدق الله العظيم
ولقد أخذت الكويت والحمدلله ـ هذا المعنى. بعناية واضحة منذ استقلالها، فحرصت على
تنمية الإنسان الكويتي، تعليما، وتثقيفا، ورعاية صحية، وروحية واجتماعية، وذلك
إيمانا من الدولة، بأن الإنسان الكويتي هو هدف التنمية، وهو وسيلتها في الوقت نفسه.
وسوف تواصل الكويت بإذن الله، مزيدا من الاهتمام بالإنسان الكويتي في شتى مظاهر
التنمية، بحيث يتمكن من مواكبة التغيرات المعاصرة بكفاءة تحفظ عليه هويته دون جمود
أو ذوبان، وبخبرة تضمن المحافظة على خط التطور في استمرار وتوازن.
إن تشريع الإسلام للصيام هو من أعظم الوسائل الروحية والصحية، في تنقية هذا الإنسان
من كدر الأخطاء، وإعادته إلى وضاءة الروح وسلامة البدن، وبهذه اللياقة يتمكن من
صياغة الحضارة الحقيقية، ويدرك أن الحياة في جوهرها، هي منحة ثمينة من الخالق
الأعظم، ولذلك، يتحتم على المسلم أن يتقرب إلى ربه بحمايتها واستثمارها في صناعة
التقدم وصيانة الأمة، وفي الإسهام المستنير في صياغة الحضارة الإنسانية.
هذه بعض المعاني العالية التي بثها الإسلام في صيام رمضان.
إخواني
لن يعود إلى الأمة شكلها الأول، إلا إذا أخذت بزمام العلم... ولن يعود إلى الأمة
جوهرها الأول، إلا إذا أخذت بالأخلاق التي تكفل بها الإسلام، وبالقيم التي احترمها
المجتمع.
وهذا المنهج هو القادر على إيجاد نقطة التوازن في خضم هذه الحياة التي أصبحت صعبة
فعلا... سريعة جدا، ذلك أن هذا المنهج الوسط، يحفظ الإنسان من طغيان العلم المادي،
ويحفظه في الوقت نفسه من الاغترار بجبروت التكنولوجيا المعاصرة.
إن عالمنا اليوم، عالم تضربه أمواج عاتية من الأفكار المتقاطعة، وبلدكم الكويت،
سفينة موحدة ومسالمة، ولن يقبل أي كويتي مخلص، أن يخرق سفينتنا أحد تحت أي زعم،
فسلامة السفينة هنا، مسألة حياة، وتماسك الأسرة الكويتية بل تلاحمها هو طوق النجاة،
وبهذا التلاحم وهذا التماسك يستمر وجودنا، ويزدهر حاضرنا ومستقبلنا.
إن الوطن القوي، هو الوطن الموحد، وهو الذي بوحدته يحقق الانجازات، إن لم يحقق
المعجزات. والكويت بوحدتها وتلاحمها وتماسكها ستحقق بإذن الله تعالى كل ما تطمح
إليه من تقدم وازدهار.
إن رمضان في جوهره العميق، بل في تنتظيم مواعيده للطعام، والصلاة، والقيام، والنوم
والعمل، هو إشارة عميقة الدلالة، إلى احترام الإسلام لعنصر الوقت. فإذا كنتم ـ أيها
الشباب ـ تحبون الحياة فعلا، فاحترموا الوقت، فإن الوقت هو المادة التي تصنع منها
الحياة، واحترموا العمل الشريف مهما كان صغيرا، فإن الإبرة التي تعمل في يد الخياط
هي بلا شك أشرف من السيف الذي لا يجد عملا في يد البطل.
تعلموا من روح رمضان معنى المراقبة الذاتية، والإخلاص في العمل ولكم في سيرة سيد
المرسلين صلى الله عليه وسلم، أفضل مثال، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، لمن
كان يرجو الله واليوم الآخر، كما أن لكم في تراث أمتكم وتقاليد بلدكم، ما يضمن
بإذن الله سلامة الطريق وبلوغ الأمل.
وهذا الأمل يتأكد كل يوم في خاطري، حين تضيء خطواتكم الى بيوت الله، بالخشوع
والهيبة، ثم حين تضيء خطواتكم إلى بيوت إخوانكم بالمودة والرحمة.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم، أن يديم علينا وعلى المسلمين بركة رمضان، وأن
يتقبل طاعة الطائعين منا والتائبين، فإن القلب الذي يغتسل مرة بدموع التوبة، يظل
طاهرا ما بقيت الحياة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.