للإستماع إلى الكلمة  

كلمــة

معالي الشيخ د. محمد صباح السالم الصباح

وزير الخارجية

أمـام

الدورة العادية التاسعة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة

نيويورك - الخميس ، 23 سبتمبر 2004

English version

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد الرئيس ،

          يسعدني أن أتقدّم لسعادتكم باسم دولة الكويت بخالص التهنئة لبلدكم الصديق الغابون ولشخصكم الكريم على انتخابكم رئيسا للجمعية العامة في دورتها التاسعة والخمسين ، وأؤكد لكم استعداد وفد بلادي للتعاون الجاد والبناء معكم لكي نحقق معا الأهداف التي نصبوا إليها . ولا يفوتني هنا أن أعبّر عن تقديرنا لجهود سلفكم السيد جوليان هونت وإدارته المتميّزة والموفقة لأعمال الدورة الماضية.

          كما أغتنم هذه الفرصة لأحيّى بكل تقدير واعتزاز الأمين العام للأمم المتحدة السيد كوفي عنان لما يقوم به من جهود كبيرة لإصلاح الأمم المتحدة وإعادة هيكلتها، وتطوير أساليب عملها وتنشيط دورها في كافة المجالات لمواكبة متطلبات وتحدّيات القرن الحادي والعشرين . ونتطلع الى تقرير فريق الشخصيات البارزة الذي عيّنه الأمين العام لتقييم التحدّيات التي تواجه المجتمع الدولي وطرح توصيات لتعزيز دور الأمم المتحدة لمواجهة هذه التحدّيات .


السيد الرئيس ،

          إن عملية إصلاح وإعادة هيكلة أجهزة الأمم المتحدة أصبحت ضرورة عملية تقتضيها المصلحة المشتركة . فالأمم المتحدة تبقى الآلية الجماعية الأمثل للتصدّي للتحدّيات والقضايا الملحّة التي تواجه المجتمع الدولي والتي من أهمها ، على سبيل المثال لا الحصر ، القضاء على الفقر ، الجوع، حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل ، نزع السلاح ، الصراعات المسلحة ، مكافحة الأمراض الخطيرة التي تفتك يوميا بحياة الآلاف مثل مرض نقص المناعة المكتسبة / الإيدز والملاريا . وقد أشرفت الأمم المتحدة على العديد من المؤتمرات الدولية التي عقدت في السنوات العشر الماضية وخصصت لمناقشة هذه القضايا ووضع الحلول المناسبة لها مثل القمة الألفية ومؤتمر جوهانسبورغ للتنمية المستدامة ومؤتمر التمويل والتنمية في المكسيك.

وعلى الرغم من عدم تمكن المجتمع الدولي من تحقيق تقدّم مرضٍ وملموس في معالجة بعض هذه القضايا ، إلاّ أن ذلك يجب أن لا يثنينا عن مواصلة مساعينا ومضاعفة جهودنا لتعزيز التزام وتقيّد الدول الأعضاء بتنفيذ الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والقرارات وبرامج العمل التي تم اعتمادها في هذه المؤتمرات والتأكيد على أهمية احترام مبادىء وأهداف الميثاق والقانون الدولي والإيمان بمركزية الأمم المتحدة ودورها الحيوي في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وتعزيز التعاون الدولي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.


السيد الرئيس ،

          لقد برزت قضية الإرهاب كواحدة من أكبر التحديات التي تواجه الأمم المتحدة في الألفية الثالثة ، وتبعاتها الخطيرة كظاهرة عالمية مسّت جميع دول العالم دون استثناء بدرجات متفاوتة . لقد تأكد لنا جميعا منذ الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر ، مرورا بتلك التي تواجهها المملكة العربية السعودية الشقيقة ، وما وقع مؤخرا في بيسلان وجاكرتا لتؤكد أننا جميعا معنيون بهذه الظاهرة والمستهدف منها البشرية جمعاء وليس طرفا بعينه ، الأمر الذي يتطلب تضافر الجهود والتعاون الكامل من خلال تحرّك جماعي لمعالجة جذور ظاهرة الإرهاب والأسباب التي أدّت إليها ، وعدم الإكتفاء بالتعامل مع نتائجها . وفي الوقت الذي تلتزم فيه دولة الكويت بكافة القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة للقضاء على الإرهاب ، نشير من جديد إلى أن الإرهاب غير مرتبط بعِرق أو دين أو حضارة ، فهو ظاهرة عالمية يتطلب بحثها من خلال الأمم المتحدة باعتبارها المرجعية المناسبة لتشخيصها ووضع الحلول اللازمة لاحتوائها .


السيد الرئيس ،

          بعد عام ونصف من سقوط نظام صدام الدكتاتوري ، لا يزال العراق يعيش وضعا دقيقا وحالة من عدم الإستقرار الأمني نتيجة للأعمال الإرهابية التي تقوم بها الجماعات المسلحة ومن ضمنها الفلول الموالية لذلك النظام ، الأمر الذي يُعيق بشكل واضح جهود الحكومة العراقية المؤقتة الرامية إلى إعادة بناء ما دمّره النظام السابق بسبب سياساته العدوانية . وإن دولة الكويت ، وإيمانا منها بأهمية الإستقرار في العراق لصالح استقرار المنطقة كافة لم تدّخر جهدا في دعم جهود الأخوة في العراق بإعادة البناء بشتى الوسائل الممكنة والمتاحة ، وستستمر في هذا الدعم حتى يتمكن العراق من تجاوز هذه المرحلة الصعبة ويستعيد دوره الإقليمي والدولي البنّاء . ونحن على ثقة بقدرة الشعب العراقي على تحقيق ذلك .

كما نرحّب في هذا المجال بقرار مجلس الأمن 1546 الذي يدعم الهدف الذي ينشده الجميع ، والحفاظ على استقلال العراق ووحدة أراضيه وسيادته . وتؤكد دولة الكويت مساندتها للحكومة العراقية المؤقتة وما تمثله من إرادة للشعب العراقي في قيامها ببناء عراق مسالم على أسس ديمقراطية سليمة تضمن بناء المؤسسات الدستورية والتقدم المستمر في العملية السياسية الداخلية المتمثل بقيام المجلس الوطني العراقي الذي سيكون رافدا هاما في إنشاء هذه المؤسسات في العراق، والإعداد للانتخابات التشريعية القادمة ، وصياغة الدستور الجديد . وتتطلع دولة الكويت إلى إقامة علاقات أخوية راسخة مع العراق الجديد الحر تقوم على الإحترام المتبادل وحُسن الجوار واحترام الاتفاقيات الثنائية وقرارات الشرعية الدولية باعتبارها أهم ركائز هذه العلاقة الجديدة بين بلدينا الشقيقين .

          كما نود أن نرحب هنا بإنشاء المحكمة الخاصة لمحاكمة أركان النظام السابق على الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب العراقي ، وكذلك الجرائم المرتكبة بحق الشعب الكويتي والمتمثلة بغزوه للكويت وقتله للأسرى الكويتيين وغيرهم من رعايا الدول الثالثة . وفي هذا الصدد نعبّر عن امتنان حكومة وشعب الكويت للأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية ممثلة بحركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية على دعمهم وتضامنهم المستمر في إدانة النظام السابق على قتله للأسرى وتستّره على هذه الجريمة لأكثر من عقد كامل في انتهاك واضح للقانون الإنساني الدولي. ولا يفوتني أن أعبّر أيضا عن امتناننا للمساعي والتعاون التي تبذلها الحكومة العراقية المؤقتة في الكشف عن مصير الأسرى ونتطلع إلى التعرّف على مصير الآخرين.

 
السيد الرئيس ،

          تتابع الكويت ببالغ القلق الأوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في الأراضي العربية المحتلة نتيجة السياسات والممارسات الإسرائيلية التي تتنافى والقوانين الدولية والإنسانية وإن كل الجهود الدولية التي بُذلت حتى الآن وما قامت به اللجنة الرباعية من وضع خارطة للطريق لتسوية النزاع في إطار زمني تُعيد للشعب الفلسطيني حقوقه السياسية المشروعة قد جوبهت بتعنّت إسرائيل وإصرار منها على انتهاج سياسة التنصل والعمل على إفشال كل هذه الجهود ، وهو ما يعني استمرار دوامة العنف والتوتر وعدم الاستقرار في المنطقة .

          وإذ تجدّد دولة الكويت التزامها بدعم نضال الشعب الفلسطيني وحقه المشروع في نيل كافة حقوقه السياسية ، فإننا نطالب إسرائيل بالتقيّد بتنفيذ كافة القرارات الدولية ذات الصلة وعلى رأسها القرارات 242 ، 338 ، 1515 ومبدأ الأرض مقابل السلام وكذلك خارطة الطريق والكف عن الممارسات اللا إنسانية تجاه الشعب الفلسطيني وآخرها بناء الجدار الفاصل المرفوض شرعيا حسب الحكم الإستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية.

          إننا نشدّد على أن السلام العادل والدائم والشامل لن يتحقق طالما استمر الاحتلال الإسرائيلي ، ونطالب إسرائيل بالانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة الى حدود الرابع من يونيو لعام 1967 . ونجدّد هنا تأييدنا والتزامنا بمبادرة السلام العربية التي اعتمدتها القمة العربية في بيروت باعتبارها أحد الركائز الأساسية في العملية السلمية التي ستقود المنطقة إلى الأمن والاستقرار الذي يطمح الجميع لتحقيقه.
 

السيد الرئيس ،

          إن مثل هذه الرؤية للصراع العربي – الإسرائيلي تمثل جزءً لا يتجزأ من رؤية دولة الكويت الشاملة للشرق الأوسط القائم على الإستقرار والاحترام المتبادل والتعاون بين كافة الأطراف ، شرق أوسط خالٍ من أسلحة الدمار الشامل ، تسعى كافة أطرافه إلى قنوات الحوار والتفاهم لحل النزاعات ، وترجمة المبادىء النبيلة التي أرساها ميثاق الأمم المتحدة بشأن العلاقات بين دول وشعوب العالم.

          ومن هذا المنطلق نؤكد ضرورة حل الخلاف بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية إيران الإسلامية حول الجزر الإماراتية الثلاث بالطرق السلمية وتشجيع الطرفين على الشروع دون تأخير بهذا الحوار لإزالة الخلاف حول هذه القضية بالسرعة الممكنة .
 

السيد الرئيس ،

          يستحوذ الوضع في دارفور اهتمامنا جميعا ، ونحن إذ نُدرك حجم المأساة الإنسانية التي يعاني منها سكان هذا الإقليم ، فإننا نعي أهمية تضافر الجهود لوقف تدهور الأوضاع فيه وبما يحقق الأمن والاستقرار للسودان. ونعتقد بأن السودان ماضٍ وعازم على إيجاد ما هو مناسب لوضع حدّ لهذه المعضلة الإنسانية .
 

السيد الرئيس ،

          تتابع الكويت باهتمام الجهود الإقليمية والدولية الرامية لإحلال الأمن والسلام في كل من أفغانستان والصومال اللتين عانتا خلال سنوات عديدة من غياب السلطة المركزية وتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية بسبب الصراع بين مختلف القوى والفصائل المحلية . ونرحب في هذا الشأن بالمساعي الحثيثة التي تبذلها الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية المعنيّة والتي أسفرت عن تحقيق تقدّم في العملية السياسية ، ونأمل باستمرار هذه الجهود بما يؤدي الى تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة في هذين البلدين الصديقين ومساعدتهما على تسخير إمكانياتهما لخدمة أغراض التنمية وإعادة الإعمار واستعادة مكانتهما كأعضاء فاعلين إقليميا ودوليا.
 

السيد الرئيس ،

          لقد حتّمت ثورة المعلومات والتقدّم التكنولوجي الهائل في مجال الاتصالات والتبادل التجاري تداخل مصالح الدول الأعضاء وأصبح العالم قرية صغيرة يمكن الوصول الى جميع أطرافها بسرعة كبيرة ، ونتيجة لهذا التطوّر قامت العديد من الدول وعلى وجه الخصوص الدول النامية بإجراء تغييرات أساسية في خططها وهياكلها الاقتصادية لمواكبة هذه التغييرات والاستفادة من ظاهرة عولمة الاقتصاد لتحقيق التنمية والتقدّم لشعوبها . ورغم بعض الفوائد التي جنتها هذه الدول من سياسات تحرير التجارة العالمية وتخفيف القيود الجمركية ، إلاّ أن هناك دولا كثيرة وخصوصا الدول الأقل نموا تعاني من التهميش وتفاقم المشاكل الاجتماعية مثل الفقر والجوع وتفشي الأمراض بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية لديها .

من هذا المنطلق ندعو المؤسسات المالية الدولية ومنظمة التجارة العالمية الى أهمية إيلاء احتياجات الدول النامية اعتبارات خاصة ومراعاة أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية عند تقديمها للمساعدات المالية ، كما ندعو الدول المتقدمة الى مضاعفة مساعداتها التنموية وفتح أسواقها أمام منتجات الدول النامية وتخفيف الديون عنها حتى تتمكن هذه الدول من تدعيم الهياكل الأساسية لاقتصاداتها وتكون قادرة على إقامة علاقات اقتصادية متوازنة مبنية على أساس المنفعة المتبادلة والمصالح المشتركة.

          تواصل الكويت مسيرتها وجهودها الرامية الى دعم المشاريع التنموية في كثير من البلدان النامية ، سواءً عن طريق المؤسسات والهيئات الدولية والإقليمية أو عن طريق الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية الذي تفخر الكويت بسجله حيث قدم منذ إنشائه قبل أربعة عقود ، قروضا تزيد عن 11 مليار دولار استفادت منها مائة دولة في مختلف قارات العالم.
 

السيد الرئيس ،

          لقد رسم قادتنا في القمة الألفية خريطة للطريق ، وحدّدوا لنا الأهداف المرجو تحقيقها ، فلنعمل سويا لتحقيق مستقبل أفضل لكافة الشعوب.

 

وشكرا السيد الرئيس ،،،

English version

Home