خطـاب
سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح رئيس مجلس الوزراء
أمـام
للجمعية العامة للأمم المتحدة
مقر الأمم المتحدة ـ نيويورك
الثلاثاء ، 23 سبتمبر 2003
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الرئيس ،
يسرني أن أستهل كلمتي بالتقدّم إليكم شخصيا ، وبصفتكم ممثلا لسانت لوشيا ، بخالص التهاني بمناسبة انتخابكم رئيسا للجمعية العامة في دورتها الثامنة والخمسين ، ونحن على ثقة بأنكم وبما عرف عنكم من حنكة وحكمة ستقودون أعمالها بكل اقتدار في هذه المرحلة الهامة التي تواجه فيها منظمتنا قضايا دولية ملحة . وأؤكد لكم استعداد وفد دولة الكويت الكامل للتعاون معكم من أجل إنجاح مهمّتكم.
كما أنتهز هذه المناسبة ، لأعبّر لسلفكم السيد جان كافان رئيس الدورة السابقة عن امتناننا وتقديرنا لأدائه المتميّز ودوره الإيجابي والفعّال في تعزيز العمل الدولي.
ولا يفوتني هنا أن أشيد بالمساعي المتواصلة للسيد كوفي عنان ، الأمين العام للأمم المتحدة من أجل إحلال السلام وتحقيق الاستقرار في مختلف مناطق العالم ، وجهوده الحثيثة والمتميّزة في الحفاظ على مكانة الأمم المتحدة ودورها الريادي في تعزيز العمل الجماعي رغم المعوقات والصعوبات الكبيرة التي تواجهها الأمم المتحدة والمخاطر الجسيمة التي يتعرّض لها موظفوها أثناء تأديتهم لمسئولياتهم ، ولعل الهجوم الإرهابي الذي تعرّض له مقر الأمم المتحدة في العراق في الشهر الماضي والذي راح ضحيته السيد سيرجيو دي ميلو ، الممثل الخاص للأمين العام ، وآخرون هو أبلغ دليل على هذه التحدّيات الجسيمة والمخاطر الكبيرة ، والتي تكرّرت قبل يومين بهجوم إرهابي استهدف مرة أخرى الأمم المتحدة في العراق.
ومن فوق هذا المنبر ، أجدّد إدانتنا لهذا العمل الإرهابي وجميع الأعمال الإرهابية الأخرى التي شهدتها مدينتي بغداد والنجف ، وراح ضحيتها أيضا قيادات ورموز دينية جليلة وأبرياء آخرون . إن مثل هذه الأعمال لا تستهدف في اعتقادنا مجرد أسس الأمن والاستقرار والثقة ، إنما كل القيم النبيلة التي يسعى الجميع لتحقيقها في العراق الشقيق.
السيد الرئيس ،
إن أبلغ رد على مثل تلك الأعمال الإجرامية يجب أن يتمثل في إصرار متجدّد من الأمم المتحدة من ناحية ، ومن القوى الدولية المهتمة بالعراق ، والتي تنشد الأمن والاستقرار له من ناحية أخرى ، على مواصلة دورهم في التصدّي الحازم لمسلسل العنف هذا ، وإتاحة المجال للشعب العراقي لتثبيت الشرعية فيها ، وإنشاء ركائزها المختلفة ، وإعادة الإعمار للتعويض عن سنوات طويلة من الحرمان والقهر والتعسف خلال الحكم البائد الذي زال بفعل تضافر جهود دولية استندت الى قرارات مجلس الأمن لتحرير العراق.
السيد الرئيس ،
إن الكويت تدين بشدّة الجرائم والممارسات اللاإنسانية التي ارتكبها النظام السابق في العراق والتي كان آخر صورها اكتشاف المقابر الجماعية في أنحاء متفرقة من العراق ضمت رفـات آلاف من الأبريـاء لا سيما الكويتيين ورعايا الدول الثالثة والذي تم حتى الآن التعرف على ثلاثة وثلاثين ممن كانوا أسرى ، وقد أثبتت نتائج الفحوصات المخبرية التي جرت للتعرف على رفاتهم بأن النظام البائد قام بإعدامهم رمياً بالرصاص بين عامي 1991 و 1992 . وإن دلّ ذلك على شيء فإنما يدلّ على وحشية هذا النظام وعدم مبالاته بالالتزامات التي نصّت عليها الاتفاقيات الدولية والقانون الإنساني الدولي . ولم يكتف هذا النظام بهذه الجريمة إنما أمعن بنكران معرفته بمصير هؤلاء الأسرى طوال السنوات الثلاث عشرة الماضية وتجاهل تنفيذ قرارات مجلس الأمن وقرارات المنظمات الدولية والإقليمية التي تدعوه للتعاون في الكشف عن مصيرهم، الأمر الذي فاقم من معاناة أهلهم وذويهم.
هذا وستواصل الكويت جهودها بالتنسيق مع الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر واللجنة الثلاثية وسلطة التحالف المؤقتة وأبناء الشعب العراقي للكشف عن مصير ما تبقى من الأسرى والمفقودين الكويتيين ورعايا الدول الثالثة والعمل على تقديم مرتكبي الجرائم بحق هؤلاء الأبرياء الى العدالة لنيل جزائهم العادل.
السيد الرئيس ،
لقد قامت الكويت وانطلاقا من ما تمليه عليها مسئولياتها القومية والقانونية بالانضمام الى دول التحالف في مسعاها لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية بشأن العراق وقدمت كافة التسهيلات في إطار هذه الشرعية التي استطاعت تخليص العراق من نظامه المستبد وننتهز هذه المناسبة للترحيب بزوال النظام السابق في العراق ونهنىء الشعب العراقي الشقيق على تحريره ، ونتمنى له الأمن والاستقرار والتقدّم.
كما ترحب الكويت بإصدار مجلس الأمن القرارين 1483 و 1500 بشأن العراق ، وتدعو الدول الأعضاء للمساهمة في الجهود الدولية الهادفة لاستعادة الأمن والاستقرار ومساعدة الشعب العراقي على إعادة بناء بلده وبناء مؤسسات الحكم السياسية والدستورية . ونؤكد هنا على الدور المحوري والهام للأمم المتحدة في هذه العملية السياسية.
السيد الرئيس ،
لقد قامت الكويت ومنذ اليوم الأول لسقوط النظام السابق في العراق بتقديم جميع أنواع المساعدات الإنسانية الى الشعب العراقي الشقيق تلبية لنداء الواجب الذي يمليه علينا انتماؤنا العربي والإسلامي حيث بادرت الكويت بتقديم تبرعات عينية ومالية لعدد من المنظمات المحلية والدولية ووكالات الأمم المتحدة المتخصصة العاملة في العراق ، كما ساهمت بشكل مباشر بإعادة تأهيل قطاع الخدمات الكهربائية والصحية والتعليمية ونقل المياه الى مناطق مختلفة في العراق . كما أنشأت الكويت مركزا للعمليات الإنسانية لتسهيل وتنسيق جهود الإغاثة الإنسانية وأنشطة المجتمع الدولي لنقل المساعدات الى داخل العراق وستستمر الكويت في جهودها بتقديم شتى أنواع المساعدات التي من شأنها تخفيف معاناة الشعب العراقي الشقيق.
ويحدونا الأمل بأن يتجاوز العراق الأوضاع الصعبة التي يعيشها حاليا ويستعيد أمنه واستقراره ويحافظ على استقلاله ووحدة أراضيه ويكرس إمكانياته وطاقاته لإعادة بناء بلده واستعادة مكانته الطبيعية في محيطه الإقليمي والدولي.
وكلنا ثقة بأن العراق قادر على تجاوز هذه المرحلة الهامة من تاريخه لأنه بلد غني بموارده الطبيعية ، وغني بحضارته وثقافته ، وغني بموارده البشرية ، وستكون الكويت حكومةً وشعباً الى جانبه في هذه المرحلة وتتطلع لإقامة علاقات أخوية طيّبة مع عراق حرّ وموحد ، علاقات تسودها الثقة والاحترام المتبادل وحسن الجوار وتحكمها المواثيق وقرارات الشرعية الدولية بما يمكننا من تجاوز مخلفات الماضي لبناء مستقبل أفضل يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
السيد الرئيس ،
تتصدّر ظاهرة الإرهاب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي تعرّضت لها الولايات المتحدة اهتمامات المجتمع الدولي ، والتي أدانتها الكويت بشدّة كما أدانت العمليات الإرهابية في بقية دول العالم ، لأنها أعمال إرهابية شنيعة نجم عنها ظهور واقع دولي جديد وقناعة جماعية بأن ظاهرة الإرهاب البغيضة غير مرتبطة بأمة أو دين أو حضارة وأن مكافحتها هي مسئولية دولية تقع على عاتق كافة الدول الأعضاء وليس دولة أو مجموعة معينة ، لذلك تبقى الأمم المتحدة هي المكان الأمثل لبحث هذه الظاهرة ووضع الحلول المناسبة لمكافحتها والقضاء عليها . ولعل توقيع جميع الدول الأعضاء على الاتفاقيات الإثنتي عشر الخاصة بالإرهاب والمصادقة عليها والتقيّد بتنفيذ بنودها يُعدّ أفضل السبل وأنجعها لمحاصرة هذه الظاهرة والحد من آثارها.
وفي الوقت الذي تعيد فيه الكويت تأكيد موقفها الرافض للإرهاب بجميع أشكاله وصوره ونبذها لكافة أعمال العنف والتطرف ، فإنها تدين الحملة المغرضة التي تتعرّض لها المملكة العربية السعودية الشقيقة من قبل بعض وسائل الإعلام الأمريكية . ونشيد هنا بدور السعودية وإسهاماتها الفاعلة في محاربة الإرهاب الذي عانت هي نفسها منه ، وتأييدنا الكامل لكافة الإجراءات التي تتخذها للقضاء على هذه الظاهرة ولتثبيت الأمن والاستقرار في المنطقة.
وفي هذا السياق ستواصل الكويت وبالتنسيق مع دول المنطقة والأمم المتحدة جهودها لمكافحة هذه الظاهرة وتعزيز الخطوات التي اتخذتها للوفاء بجميع التزاماتها الدولية ، وعلى وجه الخصوص تلك التي نص عليها القرار 1373.
السيد الرئيس ،
لقد مضى ستة وثلاثون عاما ولا يزال الاحتلال الإسرائيلي جاثما على صدور أبناء الشعب الفلسطيني الذي يعاني من تدهور مستمر في مستوى معيشته الاقتصادية والاجتماعية نتيجة السياسات والممارسات الإسرائيلية التي تتنافى مع القوانين والأعراف الدولية والإنسانية . وتتابع الكويت بقلق بالغ التصعيد الأخير في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، فبالرغم من الجهود الدولية المكثفة بقيادة اللجنة الرباعية التي أثمرت عن وضع خارطة الطريق لتسوية النزاع في إطار جدول زمني يفضي الى منح الشعب الفلسطيني حقوقه السياسية المشروعة ، إلاّ أن إسرائيل مصرّة على انتهاج سياسة التنصل من الالتزامات والعمل على إفشال المبادرات الواحدة تلو الأخرى دون اكتراث لما قد يترتب على ذلك من استمرار لدوامة العنف والتوتر وعدم الاستقرار في المنطقة ، الأمر الذي يؤكد أهمية وجود قوات مراقبة دولية لتعزيز الالتزام بترتيبات وقف إطلاق النار.
وفي الوقت الذي تجدّد فيه الكويت دعمها الكامل لنضال الشعب الفلسطيني لنيل كافة حقوقه السياسية المشروعة بما فيها إقامة دولته المستقلة على أرضه وعاصمتها القدس ، فإننا نطالب الحكومة الإسرائيلية بالالتزام بتنفيذ قرار الدورة الاستثنائية العاشرة للجمعية العامة الذي تم اعتماده يوم الجمعة الماضي والذي يطالبها بالتراجع عن قرار طرد رئيس السلطة الفلسطينية . وفي هذا السياق أيضا ، نطالب الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ التزاماتها وتعهداتها التي نصّت عليها قرارات الشرعية الدولية وعلى رأسها قراري مجلس الأمن 242 ، 338 ومبدأ الأرض مقابل السلام والاتفاقات الثنائية التي وقعتها مع السلطة الفلسطينية في إطار العملية السلمية وكذلك خارطة الطريق بكافة بنودها واستحقاقاتها ، والكف عن سياسات الحصار، والتجويع ، والاجتياحات ، وتدمير البنية التحتية ، وهدم المنازل، والاعتقالات ، والتوقف عن العمل ببناء الجدار العازل والمستوطنات ، والإفراج عن جميع المعتقلين الفلسطينيين . لقد أثبتت أحداث الماضي أن هذه الممارسات والسياسات لا تحقق لإسرائيل أهدافها إنما تغذي مشاعر العداء تجاهها وتدفع الشعب الفلسطيني الى اليأس وفقدان الأمل بالعيش في حياة حرّة وكريمة ، وتجعله يضطر لمواصلة كفاحه ونضاله في مقاومة الاحتلال . كما أن على إسرائيل أن تقوم بالانسحاب من كافة الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967 كشرط لتحقيق السلام العادل والدائم والشامل الذي يأمل الجميع بتحقيقه.
وعلى الصعيد الإقليمي ، وانطلاقا من تمسك الكويت بمبادىء الأمم المتحدة الواردة في الميثاق لا سيما المادة الثانية التي تؤكد على مبدأ حل الخلافات بالطرق السلمية ، فإننا ندعو جمهورية إيران الإسلامية ودولة الإمارات العربية المتحدة لمواصلة الزيارات المتبادلة وتكثيف الاتصالات الثنائية فيما بينهما لإيجاد حل للنزاع حول الجزر الثلاث وإنهائه بما يؤدي الى تعزيز العلاقات بين البلدين وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة . وتتطلع الكويت أثناء رئاستها للدورة القادمة لمجلس التعاون الخليجي لتحقيق كل ما يمكن أن يساهم في تعزيز أواصر التعاون بين دول المنطقة في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية . كما ستتطلع الكويت بالتعاون والتنسيق مع الأمم المتحدة ودول المنطقة الى دراسة إمكانية تفعيل ووضع ترتيبات أمنية إقليمية بالتشاور مع دول المنطقة المهتمة.
السيد الرئيس ،
إن عالم اليوم يختلف كثيرا عن الماضي القريب ، فقد بدأت الحدود التجارية والاقتصادية بين الدول تختفي ، وازداد التفاعل والتواصل بين المجتمعات في مجالات عدّة نتيجة التطوّر الهائل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ، ولكن هذا التطوّر صاحبته ظواهر سلبية لا يمكن التغاضي عنها أدّت الى تهميش دور غالبية الدول النامية التي أصبحت اقتصادياتها تعاني من مشاكل كثيرة تهدّد قدرتها على اللحاق بركب التنمية . ولمواجهة هذه التحدّيات التي تعيق النمو الاقتصادي العالمي فقد وضعت المؤتمرات الدولية ، وعلى وجه الخصوص مؤتمر القمة للتنمية المستدامة الذي عقد في جنوب أفريقيا ، والمؤتمر الدولي للتمويل والتنمية الذي عقد في المكسيك منهاج عمل يقوم على أسس العدالة والتكافل والتعاون المتبادل بين الشمال والجنوب ، ويضع مسئوليات محدّدة على جميع الأطراف لتحقيق التوازن في العلاقات الاقتصادية . وفي هذا الشأن ، ندعو الدول المتقدمة للوفاء بتعهداتها والتزاماتها في تقديم المساعدات المالية والفنية للدول النامية ، وتخفيف أعباء الديون أو إلغائها على الدول الأقل نموا ، وإزالة القيود الجمركية على تدفق سلع الدول النامية للأسواق العالمية ، وتبادل المعلومات والخبرات التي تساعد الدول النامية على تطوير وتفعيل أداء مؤسساتها لمواكبة التطوّرات.
وفي هذا السياق ، تجدّد الكويت التزامها بمواصلة تقديم المساعدات الإنمائية والمالية للدول النامية سواء عن طريق المؤسسات والهيئات الدولية أو عن طريق الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية الذي يزخر سجله بتقديم المساعدات وتمويل الكثير من المشاريع والبرامج التنموية في أكثر من مائة دولة نامية في مختلف قارات العالم.
السيد الرئيس ،
يحدونا الأمل ونحن في بداية قرن جديد أن نستفيد ونستقي الدروس من تجارب الماضي ونعمل وبشكل جماعي على معالجة تحدّيات الحاضر لكي نصنع معا مستقبلا أفضل وحياة حرّة وكريمة لأجيالنا القادمة ، حياة يسود فيها القانون وتحكمها قيم ومبادىء الحرّية والعدالة والمساواة بين الناس وشعارها "أن الشراكة والتعاون هما أقصر الطرق المؤدية الى تحقيق الأمن والاستقرار والسلام في العالم".
و شكرا السيد الرئيس ،