أمـام
للجمعية العامة للأمم المتحدة
مقر الأمم المتحدة ـ نيويورك
الأحد ، 11 نوفمبر 2001
السيد الرئيس ،
يسعدني باسم دولة الكويت أن أهنئكم وبلدكم الصديق جمهورية كوريا على انتخابكم رئيسا للدورة السادسة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة . وإنها بلا شك مسئولية كبيرة مقرونة بالثقة . فلكم من وفدنا كل الدعم والتعاون في سبيل أداء مهمّتكم السامية . وأشكر سلفكم السيد هاري هولكيري على رئاسته الموفقة لأعمال الدورة الماضية.
وأغتنم هذه الفرصة لأهنئ السيد كوفي أنان ، الأمين العام للأمم المتحدة ، على نيله عن جدارة جائزة نوبل للسلام مشاركة مع الأمم المتحدة. وكذلك على الثقة الكبيرة التي حظي بها من المجتمع الدولي في التجديد المبكر وغير المسبوق له لقيادة منظمتنا لولاية ثانية . الأمر الذي يمثل احتراما عميقا لشخصه ، واقتناعاًً بقدراته ، وعرفاناً لعطائه ، وتطلعاً لمزيد من إسهاماته في التصدّي الجريء للقضايا المتنوعة التي تواجه العالم.
السيد الرئيس ،
إن الكثير من القضايا والتحدّيات التي تواجهها دول عديدة في عالمنا اليوم تتجاوز آثارها ومخاطرها الحدود الوطنية لأية دولة . ولا عجب بالتالي أن أصبح عالمنا اليوم كوكباً صغيراًَ لم يعد فيه البعد الجغرافي أو التنوع الثقافي أو الوضع الاقتصادي أو التعدّد العرقي عاصماً من التأثر بالغير أو مانعاً من التأثير فيهم . ولعل انشغال المجتمع الدولي حاليا في مكافحة الإرهاب لهو دليل قوي وبليغ على مدى ترابط وتشابك مصالح الدول واهتماماتها . فالإدانة الجماعية للعمل الإرهابي الشنيع الذي تعرضت له الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001 يعكس إدراك المجتمع الدولي أن المستهدف الحقيقي في هذه العملية هو الاستقرار الدولي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وبدون تمييز بين دولة أو قارة أو حضارة أو دين أو عرق.
وانطلاقا من موقفنا الثابت في رفض الإرهاب بجميع أشكاله وصوره، فقد أدانت الكويت حكومة وشعبا ومنذ الساعات الأولى هذا العمل الإجرامي الذي يتناقض مع جميع القيم الدينية والمفاهيم الحضارية والإنسانية . ونجدّد هنا تعازينا ومواساتنا لأسر الضحايا وللشعب الأمريكي الصديق ، ونؤكد على دعمنا وتأييدنا الكامل للجهود والإجراءات التي يتخذها التحالف الدولي للقضاء على معاقل الإرهاب ، واقتلاعه من جذوره، والقبض على مرتكبي هذه الفظائع وتقديمهم للعدالة لأخذ جزاءهم. كما نطالب بضرورة استكمال نظام قانوني دولي محكم تلتزم به ، وبحسن نية ، جميع دول العالم للقضاء على هذه الآفة الفتاكة.
وقد قامت الكويت تنفيذا لقرار مجلس الأمن 1373 باتخاذ خطوات محدّدة لسد أية ثغرات في أنظمة جمع التبرعات للأعمال الخيرية قد تستغل لغير الأعمال الشرعية والقانونية المخصصة لها أصلا . كما تعكف حاليا السلطات المختصة على اتخاذ ما يلزم من إجراءات لضمان التقيد بجميع أحكام هذا القرار.
وفي الوقت الذي نندّد فيه بجميع الأعمال الإرهابية ، نستغرب بروز بعض الأصوات التي بدأت تربط الإرهاب بالفكر الإسلامي ، إن هذا الزعم يعتبر تجنيا واضحا على دين سماوي انزله الله سبحانه وتعالى رحمة للعالمين دين ينادي بالسلام ، ويدعو إلى التسامح ، ويحض على المحبة، وينبذ التعصب والتطرف . وقبل هذا وبعده ، فالقرآن الكريم ، دستور المسلمين يقول في محكمه: بسم الله الرحمن الرحيم "إدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم". صدق الله العظيم
وبالتالي فلا يجوز وتحت أي مسوغ ، ولا بأي دافع أن نسمح لمثل هذا التوجه أن يجد صدى ومرتعا في الإعلام المحلي أو الدولي ، وهذه مسئولية مشتركة يجب أن نملك الشجاعة للقيام بها ، إذا أردنا للسلام الاجتماعي أن يسود.
إن محاربة الإرهاب تحتاج إلى تكاتف وتضافر كافة الجهود الدولية لمواجهته والقضاء عليه . كما تحتاج منا إلى مراجعة مواقفنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية تجاه القضايا التي تواجه عالمنا اليوم حتى لا نعطي مسوغا ، ولا نخلق واقعا يستغله الأشرار في تنفيذ مخططاتهم ، ويتذرعون به للوصول إلى غاياتهم . وفي الوقت الذي نؤكد فيه على أهمية القرارات والاتفاقيات الدولية المتعلقة بمقاومة ومكافحة هذه الظاهرة، فإننا نؤيد الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للإرهاب تكون من بين مهامه الرئيسية وضع تعريف محدد للإرهاب يفرق بين الإرهاب كظاهرة تهدّد الأمن والسلم الدوليين وبين حق الشعوب في النضال والكفاح في مقاومة الاحتلال لنيل حقها في تقرير مصيرها وفقا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
السيد الرئيس ،
إن الكويت تتعاطف بالكامل مع الشعب الأفغاني الصديق الذي يعاني منذ أكثر من عشرين عاما من تدهور في مستوى حياته المعيشية نتيجة للصراعات والحروب التي فتكت به ودمّرت إمكاناته وموارده . واستجابة لنداء الأمين العام لمواجهة الأزمة الإنسانية الحادة التي يمر بها الشعب الأفغاني ، فقد أعلنت حكومة الكويت عن تبرعها بمبلغ ثلاثة ملايين دولار لدعم الجهود الإنسانية الدولية . كما تم إرسال ثلاث شحنات من مواد الإغاثة الإنسانية إلى اللاجئين الأفغان . ويتم توزيع هذه المواد بالتنسيق مع المفوضية العليا لشئون اللاجئين . كما أعلنت الكويت عن تنظيم حملة تبرعات شعبية شارك فيها الأفراد والشركات الخاصة للمساهمة في تخفيف المعاناة الإنسانية للشعب الأفغاني ، وتجاوزت حصيلتها حتى اليوم ثمانية ملايين دولار.
وفي هذا السياق ، تدعو الكويت إلى مضاعفة الجهود الدولية للعمل على إحلال السلم والأمن في أفغانستان عن طريق تحقيق المصالحة الوطنية وتشكيل حكومة وفاق يختارها الشعب الأفغاني وتضم كافة الفصائل والأعراق لأن ذلك يمثل الضمانة الوحيدة لاستمراريتها والمساهمة في استعادة أفغانستان لمكانه الطبيعي في محيطه الإقليمي والدولي وتوجيه طاقات وإمكانات الشعب لإعادة البناء والتعمير.
وفي الوقت الذي نعبّر فيه عن أسفنا الشديد لوقوع ضحايا من المدنيين الأفغان ، نتمنى مخلصين أن تتجنب العمليات العسكرية الجارية حاليا ضد معاقل الإرهاب والإرهابيين ، تعريض الأبرياء العزل للخطر . فهؤلاء بالدرجة الأولى ضحايا لا حول لهم ولا قوة فيما جرى ويجري.
السيد الرئيس ،
تؤمن الكويت بأهمية البيئة كإرث ومصير مشترك يجب المحافظة عليه لصالح مستقبل أجيالنا القادمة . ونظرا للتجربة المريرة التي عاشتها منطقة الخليج في السنوات الماضية حيث شهدت حربين مدمّرتين نجمت عنهما آثار جسيمة انعكست سلبا على النظام البيئي فيها ، فقد قدمت الكويت مشروع قرار إلى الجمعية العامة باعتبار اليوم السادس من نوفمبر من كل عام يوما عالميا لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات العسكرية . ونشعر بالامتنان لصدور هذا القرار بالإجماع . ونتمنى أن يكون ذلك مساهمة في تعميق الوعي العالمي بأهمية احترام بيئتنا التي هي مصدر الحياة ومنهل الأجيال المتعاقبة.
السيد الرئيس ،
إن أنظار العالم تتركز منذ أكثر من عام على الانتفاضة الباسلة للشعب الفلسطيني كرد طبيعي ومشروع على استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وتنصل الحكومة الإسرائيلية من الاتفاقات التي عقدها مع الجانب الفلسطيني.
إن حكومة إسرائيل تنتهج سياسة الرفض لكل مبادرة فلسطينية أو إقليمية أو دولية . وتعول على سياسة القوّة والأمر الواقع . وتمارس إرهاب الدولة بكل أشكاله . فهي تسدّ الباب تلو الباب ، وتنتقل من اضطهاد إلى اضطهاد ، وتخلق أزمة تلو الأخرى . إنها بكل ذلك تستهدف وأد بارقة السلام التي ولدت في مدريد عام 1991 . إن الممارسات الهمجية الإسرائيلية ، والتحدّي السافر لجميع قرارات الشرعية الدولية والاستخدام المفرط وغير المُبرَّر للقوّة في وجه حجارة الشعب الفلسطيني، كل ذلك خلق شعوراً عاماً باليأس والإحباط وفقدان الأمل لدى الشعب الفلسطيني . وقد علمتنا تجارب الحياة أن نخشى دائما عواقب اليأس والإحباط وفقدان الأمل، ومن هنا تترتب المسئولية الدولية الخاصة على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ، وبالذات الولايات المتحدة بصفتها أحد راعيي السلام ، كي تمارس دوراً قيادياً فعّالاً للضغط على إسرائيل وإجبارها على تنفيذ تعهداتها والتزاماتها التي نصّت عليها الاتفاقيات الثنائية التي أبرمتها مع السلطة الفلسطينية وتنفيذ قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ، بما فيها تلك المتعلقة بمدينة القدس للحفاظ على هويتها العربية والإسلامية وطابعها الديني المقدّس . ومن هذا المنطلق ، ترحب الكويت بما صدر عن الولايات المتحدة من تأييد لإقامة دولة فلسطينية مستقلة . ونأمل أن يتحول هذا التأييد من موقف معلن إلى خطوات ملموسة تدفع بعملية السلام إلى تحقيق نتائجها المرجوة.
ونؤكد في هذا الشأن على أن الكويت مستمرة في مؤازرتها للشعب الفلسطيني الشقيق وتقديم جميع أنواع الدعم السياسي والمادي له حتى ينال كامل حقوقه السياسية المشروعة ، بما فيها إقامة دولته المستقلة على أرضه وعاصمتها القدس . كما أن على إسرائيل أن تنسحب وبدون قيد أو شرط من الجولان العربية السورية ومن مزارع شبعا اللبنانية.
السيد الرئيس ،
إن الهدف الأساسي لسياسة الكويت الخارجية والتي تسعى إلى تحقيقه هو إرساء دعائم الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي . ولن يتحقق هذا الهدف ما لم ينفذ العراق جميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة. ومن المؤسف أن الحكومة العراقية مستمرة في ادعاءاتها بأنها نفذت جميع التزاماتها التي نصّت عليها القرارات وذلك في الوقت الذي ما زالت فيه مستمرة في نهجها وسياساتها العدوانية تجاه الكويت بهدف إشاعة أجواء التوتر وزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة . وفي هذا الصدد ، قامت الكويت وفي مناسبات عديدة بتوجيه انتباه مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة إلى النوايا غير السلمية للعراق والتي تمثلت بالتهديدات المتكرّرة التي تمس أمن وسيادة الكويت الصادرة عن كبار المسئولين في الحكومة العراقية . ودعت مجلس الأمن إلى مواصلة جهوده ومساعيه لحمل الحكومة العراقية على تنفيذ جميع التزاماتها التي نصّت عليها القرارات وبما يؤدي إلى رفع العقوبات عن الشعب العراقي الشقيق وعودة العراق إلى مكانه الطبيعي كعضو فاعل إقليمياً ودولياً.
السيد الرئيس ،
عندما نتحدث عن معاناة الأطفال والنساء والشيوخ ، فإن الكويت لها تجربة تعيشها بكل آلامها ومنذ عشر سنوات نتيجة استمرار قضية الأسرى والمرتهنين الكويتيين وغيرهم من رعايا الدول الثالثة والتي هي على رأس الالتزامات التي لم يـف العراق بها ، ويعتبر إنهاء هذه المشكلة وحلّها أولوية لدى دولة الكويت حكومةً وشعباً.
فهذه القضية ذات البعد الإنساني قد طال أمدها ولا تحتمل مزيداً من التأخير لما يسبّب استمرارها من معاناة كبيرة لعوائل الأسرى وللشعب الكويتي برمته . وتتحمّل الحكومة العراقية المسئولية وحدها عن عدم حصول تقدّم يذكر في تنفيذ القرارات ذات الصلة والتي تطالبها ، من ضمن أمور أخرى، بضرورة التعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومع المنسق رفيع المستوى ، السفير يولي فورنتسوف ، الذي عيّنه الأمين العام للعمل على تسهيل عودة هؤلاء الأسرى والمرتهنين . ويتضح تقاعس الحكومة العراقية وعدم اكتراثها بالبعد الإنساني لهذه القضية من خلال إصرارها على عدم استئناف مشاركتها في اجتماعات اللجنة الثلاثية واللجنة الفنية المتفرعة عنها وذلك منذ مقاطعتها لهذه الاجتماعات في شهر يناير عام 1999 لأسباب سياسية غير مبرّرة . كما ندعو العراق إلى إعادة بقية الممتلكات المسروقة وأهمها أرشيف ووثائق الدولة الكويتية.
السيد الرئيس ،
يشهد الوضع الاقتصادي العالمي في السنوات الأخيرة الكثير من التغييرات وبروز الكثير من الظواهر الاقتصادية التي حتمتها ثورة المعلومات والتقدّم التكنولوجي الهائل في مجال الاتصالات والتبادل التجاري. وقد أجبرت هذه التغييرات والظواهر قيام العديد من الدول وعلى وجه الخصوص الدول النامية ، بإجراء تغييرات جذرية في خططها وهياكلها الاقتصادية لمواكبة هذه التغييرات والاستفادة من ظاهرة عولمة الاقتصاد لتحقيق التنمية والتقدّم لشعوبها . ورغم الفوائد الجمّة التي ستجنيها شعوب العالم من سياسات تحرير التجارة العالمية وإلغاء القيود الجمركية ، إلاّ أنه لا بد من العمل على جعل العولمة قوّة إيجابية تعمل لصالح جميع شعوب العالم من خلال وضع أسس وقواعد وترتيبات إقليمية ودولية لحماية الاقتصادات الناشئة في الدول النامية من أية تقلبات وأزمات اقتصادية من شأنها أن تؤثر سلبياً على المستوى المعيشي لشعوبها . كما أن على الدول المتقدمة والمؤسسات والهيئات المالية الدولية مضاعفة المساعدات المالية التي تقدمها إلى الدول النامية حتى تتمكن من تدعيم الهياكل الأساسية لاقتصاداتها وتكون قادرة على إقامة علاقات اقتصادية متوازنة مبنية على أساس المنفعة المتبادلة والمصالح المشتركة.
وفي هذا السياق ، تواصل الكويت مسيرتها وجهودها الرامية الى دعم المشاريع التنموية في كثير من البلدان النامية . كما ساهمت الكويت بمبلغ مليون دولار في الصندوق الذي أنشأه الأمين العام للأمم المتحدة للقضاء على مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز).
كما تساهم الكويت بتمويل الكثير من البرامج والمشاريع التنموية في الدول النامية عن طريق المؤسسات المالية الدولية والإقليمية وعن طريق الهيئات الخيرية الشعبية الكويتية والتي تعمل بدافع من المسئولية المشتركة وروح التكافل التي حث عليه ديننا الإسلامي الحنيف.
السيد الرئيس ،
أننا في الختام ، لنتطلع إلى المشاركة بفعالية هذا العام في الاحتفال بسنة الحوار بين الحضارات والتي تعتبر إحدى المناسبات التي تؤكد إصرارنا على ترسيخ مفهوم التسامح والتفاهم بشكل حضاري بين دولنا وشعوبها التي تحلم بحياة تخلو من الصراعات التي يختلقها الإنسان والتنعم بحياة راغدة تسود فيها نزعة الخير كأساس لتعاملنا الدولي.