Minister Al-Shaheen

 
 

كلمـــة معالـي

سـليمان ماجـد الشاهين

وزير الدولـة للشـؤون الخارجيـة

أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها العادية الرابعة والخمسين

مقر الأمم المتحدة ـ نيويورك الخميس ، 23 سبتمبر 1999

 

السيد الرئيس ،

          يسعدني أن أقدم لسعادتكم باسم دولة الكويت أصدق التهاني على انتخابكم رئيسا للدورة الرابعة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة . ونحن على ثقة بأن ما تتمتعون به من خبرة وكفاءة ودراية واسعة بالقضايا الدولية ستكون خير عون لكم في قيادة مداولات هذه الدورة بنجاح . وأؤكد لكم استعداد ورغبة وفد بلادي في التعاون الجاد والبنّاء معكم لكي تحقق هذه الدورة جميع الأهداف التي نسعى جميعا الى بلوغها. كما يسعدني أن أنوّه بالجهود الكبيرة التي بذلها سلفكم السيد ديديه أوبرتي بادان ، رئيس الجمعية العامة في الدورة الماضية ، والتي تميّزت بالجدّية والرغبة الصادقة في تعزيز وتطوير دور الجمعية العامة. كما أغتنم هذه الفرصة لأحيّي بكل تقدير واعتزاز الأمين العام للأمم المتحدة السيد كوفي أنان على محاولاته ومساعيه المستمرة في سبيل الارتقاء بأجهزة الأمم المتحدة من خلال إصلاحها وتكييفها لتتماشى مع الحقائق العالمية المتجدّدة.

 

السيد الرئيس ،

          ترحب الكويت بانضمام كل من كيرباس ونارو ومملكة تونغا الى عضوية الأمم المتحدة ، ونعرب عن أملنا بأن يعزّز انضمام هذه الدول دور الأمم المتحدة وفاعليتها في تحقيق أهداف ومقاصد الميثاق.

 

السيد الرئيس ،

          تدور عجلة الزمان لتجعل عالمنا يقترب من نهاية القرن العشرين ويستعد لدخول الألفية الثالثة . إنها لحظات تاريخية تلك التي سنشهدها معا، لنجدّد فيها آمالنا ورغباتنا الصادقة في تحقيق حياة أفضل مستوى وأكثر استقرارا وأمناً وتقدماً . وبتصميم أعمق وأكبر كي يكون غدنا أفضل من يومنا . كفانا أن خيّمت على القرن العشرين ذكريات مريرة تمثلت في حربين عالميتين وصراعات وحروب إقليمية وأهلية كثيرة ، راح ضحيتها ملايين من الأبرياء ، وأدّت الى تعطيل دوران عجلة التنمية في كثير من دول العالم النامي . ولقد كانت آمالنا وطموحاتنا ودعواتنا منصبة على أن تساعد الاكتشافات والاختراعات العلمية والتكنولوجية الهائلة التي شهدناها في العقود الأخيرة من هذا القرن على معالجة أو حل المشكلات والظواهر السلبية والهموم الملحّة التي تعاني منها البشرية ، إلاّ أن خمس سكان العالم يرزحون تحت وطأة الجوع . ومئات الملايين من البشر يعيشون تحت خط الفقر . وسباق التسلح لدواع أمنية أو توسّعية يستهلك كمّـاً هائلا من خزائن الدول وميزانياتها على حساب البرامج الاقتصادية والتنموية . وجرائم الإبادة الجماعية لأسباب عرقية وسياسية أصبحت وسيلة لتصفية المعارضين والاستئثار بالسلطة واحتكارها ، وانتهاكات حقوق الإنسان مستمرة تحت مبرّرات شتى ، وظاهرة الإرهاب تهدّد مقومات الاستقرار كما بدأت تتشابك مع ظاهرة المخدرات والاتجار بها ، الأمر الذي سيعطي وقودا يزيد من إشعال تهديدهما للأمن والاستقرار في العالم ، الأمر الذي ندعو معه إلى وقفة دولية جادة ضد هاتين الآفتين المدمرتين وتخليص العالم من شرورهما . كما شهد هذا القرن العديد من الكوارث الطبيعية المدمّرة التي نجم عنها خسائر بشرية هائلة ودمار كبير لمكتسبات إنسانية كثيرة ولعل آخرها ما تعرضت له الجمهورية التركية الصديقة من زلزال مدمّر في شهر أغسطس الماضي . ونحن على ثقة بأن تركيا ستتجاوز آثار هذه المحنة المؤلمة . وقد وقفت الكويت ، مثلها مثل العديد من الدول الأخرى ومنظمات الإغاثة الدولية ، مع تركيا في محنتها ، وأقامت جسرا جويا معها لنقل المساعدات واللوازم الإنسانية الضرورية . وهو واجب تفرضه الروابط الإنسانية وصلات الجوار . ويسرنا أن نشير الى قرار دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بتقديم مساعدة بمبلغ 400 مليون دولار للتغلب على آثار هذا الزلزال . كما نتقدّم هنا أيضا بأحر التعازي لحكومة وشعب اليونان الصديق ولأسر ضحايا الزلزال الذي أصاب تلك المنطقة في بداية هذا الشهر . وأمام تكرر وقوع مثل هذه الكوارث ، فإن الكويت تدعو الى تعزيز دور وفاعلية الهيئات الخاصة بالكوارث والتابعة للأمم المتحدة ليكون لها دور أبرز في تنسيق مساهمات الدول في هذا المجال لتؤدي الأغراض المتوخاة منها على نحو مثالي قدر المستطاع.

 

السيد الرئيس ،

          أن الواجب يحتم علينا أن لا نبخس الأمم المتحدة حقها وأن نشيد بسجل إنجازاتها في مكافحة المشاكل التي واجهها العالم طوال العقود الماضية . فقد أثبتت وبجدارة قدرتها ومصداقيتها على حل كثير من الصراعات والمشاكل ، وأنقذت العالم من الوقوع في مزيد من المآسي . وجعلت من الصعب علينا تصوّر عالم بدون هذه المنظمة التي نعتز بالانتماء إليها.

 

السيد الرئيس ،

          على ضوء معطيات وموروثات الماضي وتحديات المستقبل ، يجري حاليا الاستعداد والتحضير لاجتماع الجمعية الألفية التي ستعقد هنا في نيويورك في شهر سبتمبر من العام القادم . ذاك الاجتماع الذي نتمنى أن يكون بالحضور العالمي المتوقع له نقطة هامة في حياة البشرية . ولذلك ، ترى الكويت أن تلك المناسبة تعدّ مناسبة تاريخية يجب الاعداد الجيّد لها وتوفير جميع فرص النجاح من أجل الخروج بالنتائج التي نسعى إليها جميعا بحيث يكون لها أثر ملموس في تحديد مسارات ومستقبل عمل منظمتنا في القرن القادم . فالمشاكل والقضايا العالمية التي تطرقت إليها كلها قضايا ملحّة وبحاجة ماسة لمواجهتها واقتراح الحلول العملية المناسبة لها . ولا غنى عن التعاون وتضافر الجهود ودعم مختلف أجهزة الأمم المتحدة وتفعيل دورها للتصدي لكل تلك المشاكل والتحديات التي تتداخل معا فتغذي إحداها الأخرى.

          فنحن نتطلع الى القمة الألفية على أنها حدث فريد من نوعه يجب أن يتميز عن احتفالات الذكرى الخمسين لإنشاء الأمم المتحدة والتي عكست طابعا احتفاليا ورمزيا . ويجب أن لا يكون تجمّع القادة ورؤساء الدول وإلقاء الخطب والبيانات هدفا في حد ذاته . فليكن هدفنا أن تحقق الجمعية الألفية رسم التطلعات وتجديد العزم على متابعة الأهداف المرجوة . لتكن جمعية إنجازات ترسي قواعد العدل والمساواة والتعايش والتعاون وتعزيز الحوار بين الحضارات وتساعد على ترويج الالتزام بمبادىء حقوق الإنسان ونقل التنمية الاقتصادية والاجتماعية الى أعلى سُلّم الاهتمامات الدولية. وفي هذا المجال ، تعتـز الكويت بِنَيْلها المركز الأول عربيا ، والخامس والثلاثين عالميا في التنمية البشرية حسب التقرير الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 1999 . وستعمل الكويت بإذن الله تعالى على مواصلة الارتقاء بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فيها مسترشدين ، ضمن إحداثيات أخرى ، بمؤشرات تقرير التنمية البشرية . وأود في هذا المقام أن أشير الى مبادرة حضرة صاحب السمو أمير البلاد حفظه الله بإصدار مرسوم بالقانون الذي يقضي بمنح المرأة الكويتية كامل الحقوق السياسية في الانتخاب والترشيح . فهذه البادرة ، هي دليل آخر على حرص سموه على ترسيخ الديمقراطية في المجتمع وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية ، إيمانا منه بالدور البارز والمساهمات القيّمة للمرأة الكويتية في مختلف أوجه حياة المجتمع المدني.

 

السيد الرئيس ،

          من أبرز الإنجازات الأخرى التي نأمل تحقيقها من الجمعية الألفية هي توسعة عضوية مجلس الأمن وإضفاء مزيد من الشفافية على إجراءات وأساليب عمله . فمسألة إصلاح مجلس الأمن أُشبِعَتْ بحثا ومناقشة طوال السنوات الست الماضية . وقد حان الوقت لاتخاذ القرارات المناسبة التي تتيح لجميع أعضاء المنظمة المشاركة في صنع قراراته بشكل أكثر تمثيلا وعدالة وفق ضوابط تضمن تحقيق التوازن بين الفاعلية وزيادة العضوية ، كما تعكس مسؤولية أعضاء مجلس الأمن ومقدرتهم على المساهمة في الحفاظ على الأمن والسلام في العالم .

السيد الرئيس ،

          لقد شهد العالم على إثر انتهاء الحرب الباردة تحدّيات كثيرة هدّدت الأمن والسلم الدوليين في مناطق مختلفة من العالم . ونتيجة للانفراج في العلاقات الدولية ، وتقارب الشرق والغرب ، وتزايد الرغبة في التعاون والتنسيق عملت الأمم المتحدة ، ممثلة في جهاز مجلس الأمن المسئول عن صيانة الأمن والسلم الدوليين ، على التصدّي لتلك التحدّيات بمختلف الوسائل والطرق التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة . وتمكنت بالفعل من إحراز قدر كبير من النجاح في مساعيها تلك وأن كان بدرجات متفاوتة ، وأحيانا بتكاليف مؤلمة وباهظة خاصة من حيث الخسائر في أرواح موظفيها وجنودها من حفظة السلام وخَدَمَةِ الإنسانية . وحتى في الحالات التي يتعثر فيها دور الأمم المتحدة الى درجة قد يبدو معها فشلها بل وإحراجها ، يبقى السؤال النظري البديل الذي نطرحه دائما على أنفسنا وهو: هل لو لم تتدخل الأمم المتحدة لكان الوضع في تلك الحالة أفضل؟ والجواب الاستنتاجي الذي نتوصل إليه دوما هو: كلا بالقطع . إن التعثر والفشل أحيانا هما جزء من ضريبة لا مفر منها مهما سعى البشر الى الكمال والإتقان ، ومهما صَفتْ النوايا.

 

السيد الرئيس ،

          إن نظام العقوبات المنصوص عليه في المادة 41 من الفصل السابع من الميثاق هو إحدى الوسائل والأدوات التي يضطر مجلس الأمن الى استخدامها ضد عدد من الدول في محاولة منه لتغيير سلوكها وثنيها عن التمادي في سياساتها العدوانية المتنافية مع قواعد ومبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة . وقد أثبتت التجارب السابقة نجاح هذه الوسيلة ، حيث قام المجلس في مناسبتين بتعليق نظام العقوبات على الدول المفروض عليها بعد أن أوفت بكامل الالتزامات المنصوص عليها في القرارات ذات الصلة ، إن ذلك يعطي مثلا واضحا بأن هذه العقوبات ليست هدفا بحد ذاتها بقدر ما هي وسيلة لفرض احترام الميثاق وقرارات الشرعية الدولية .

 

السيد الرئيس ،

وانطلاقا من مسئوليات مجلس الأمن تلك فقد شكّل في نهاية شهر يناير الماضي ثلاثة فرق عمل مستقلة لتقييم مدى تنفيذ العراق لالتزاماته التي نصت عليها قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بغزوه دولة الكويت .  وقد ساهم الأمين العام للأمم المتحدة نفسه في اختيار أعضاء فرق العمل من الشخصيات الدولية البارزة المشهود لها بالخبرة والكفاءة والحياد . واجتمعت تلك الفرق على مدى شهرين ، واستعانت بخبرات كثير من الخبراء واستمعت الى آراء العديد من المختصين والمعنيين . وبعد اجتماعات ومناقشات مكثفة خلصت تلك الفرق الى مجموعة من النتائج والتوصيات يمكن إيجاز أبرزها بالآتي:

أولا:     بالنسبة لملف نزع الأسلحة ، رأى فريق العمل المختص بأن هناك عدداً من الأمور الهامة والخطيرة التي لم تحسم بعد . وأكد على ضرورة عودة فرق التفتيش الى العراق في أقرب وقت ممكن وفقا لنظام متكامل معزز للرصد والتحقق المستمرين يقوم على أساس قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

ثانيا:     بالنسبة لملف الحالة الإنسانية قدم فريق العمل المختص العديد من المقترحات والتوصيات البنّاءة التي من شأن تنفيذها تحسين الوضع الإنساني في العراق . ولعل أبرزها الدعوة الى تحسين آليات عمل برنامج النفط مقابل الغذاء . وكذلك دعوة الحكومة العراقية الى كفالة التوزيع العادل للسلع الإنسانية والاهتمام فعليا باحتياجات الفئات الضعيفة من الشعب.

ثالثا:     بالنسبة للأسرى من كويتيين ورعايا الدول الثالثة وإعادة الممتلكات الكويتية المسروقة ، رأى فريق العمل المختص أنه فيما يخص الأسرى الكويتيين فإن تعاون العراق مع الصليب الأحمر واللجنة الثلاثية كان دون المتوقع وأن الفريق ليس مقتنعا بالتفسيرات التي قدمها العراق بشأن عجزه عن تقديم معلومات عن الملفات التي قدمت عن طريق لجنة الصليب الأحمر الدولية . كما حث الفريق الحكومة العراقية على إعادة النظر في قرارها بعدم المشاركة في اللجنة الثلاثية واللجنة الفنية المتفرعة عنها . أما فيما يختص بملف إعادة الممتلكات الكويتية فقد توصل الفريق الى نتيجة مفادها أن العراق لم يمتثل تماما للفقرة 2 من قرار مجلس الأمن 686 التي تطالبه بإعادة كافة الممتلكات الكويتية المسروقة.

 

          وعلى الرغم من أن هذه الفرق شكلها مجلس الأمن أساسا بهدف النظر في إمكانية تخفيف نظام العقوبات وتحسين الوضع الإنساني في العراق ، إلا أن ما يدعو للأسف ، أن العراق رفض المشاركة في أعمالها كما رفض النتائج والتوصيات التي توصلت إليها. وفي هذا السياق أيضا ، أكد الأمين العام للأمم المتحدة في الفقرة (81) من تقريره عن أعمال المنظمة المعروض أمام الدورة الحالية للجمعية العامة (الوثيقة A/54/1) تقاعس العراق في تنفيذ التزاماته وحدّد المتطلبات الأساسية التي يجب على العراق تنفيذها ، حيث أشار الأمين العام في تقريره وأقتبس:

" فالعلاقات مع العراق اتخذت اتجاها الى الأسوأ خلال السنة ، برغم فترة قصيرة من الامتثال لمذكرة التفاهم التي وقعها نائب رئيس الوزراء طارق عزيز ووقعتها في فبراير 1998 . وإزاء الإمعان في عدم الامتثال من جانب العراق ، كان متوقعا استعمال القوّة من جانب اثنتين من الدول الأعضاء وانقسام مجلس الأمن الذي أعقب ذلك ، على أن مطالبنا الأساسية ما زالت بغير تغيير وهي: أن على العراق أن يمتثل كاملا لجميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة ، وأن المجتمع الدولي لا بد أن يطمئن الى أنه لم يعد لدى العراق القدرة على تطوير أو استعمال أسلحة الدمار الشامل، وأنه لا بد من تحديد مصائر الرعايا الكويتيين ورعايا البلدان الثالثة الذين ما زالوا مفقودين ، ولا بد أيضا من إعادة المحفوظات الكويتية التي لا يمكن تعويضها . وفي الوقت نفسه ما زال شعب العراق يعاني من آثار الجزاءات" . انتهى الاقتباس.

 

السيد الرئيس ،

          ان الكويت ومن منطلقات إنسانية ، يحتمها ديننا الإسلامي الحنيف وجميع الأديان والمبادىء والأعراف الدولية لتدعو العراق إلى أن تسارع لإنهاء محنة أسرانا من كويتيين ورعايا دول ثالثة ، ليعودوا الى أهاليهم وذويهم والتعرف على مصائرهم ، إن ذلك لن يتم بمجرد نكران وجودهم ، واعتبارهم مفقودين لأننا نتعامل مع حالات إنسانية ، وهم أمانة في أعناقنا جميعا . كما أن العراق ومنذ شهر يناير الماضي يقاطع اجتماعات اللجنة الثلاثية واللجنة الفنية المتفرعة عنها ، هذه الآليات التي تعمل تحت إشراف ورعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر للتعرف والكشف عن مصير أولئك الأبرياء. إننا نتساءل أين تكمن جدية العراق في التعاون مع هذا الموضوع الإنساني الهام ، أين التعبير عن حسن النوايا من مثل هذا التصرف ؟ وهل بإمكان أحد أن يقول أن العراق وهو يقاطع اجتماعات لجان إنسانية تعمل برئاسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ، أنه يتعاون في تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة ؟ . إن آليات دولية قائمة ومعترف بها هي التي بمقدورها أن تتعامل مع هذا الأمر فليكن التعاون الجاد والمخلص مع اللجنة الثلاثية هو الأساس في حسم هذا الموضوع الإنساني الذي لم يعد يحتمل مزيدا من التأخير.

 

السيد الرئيس ،

          إن جهدا مركزا يدور حاليا في مجلس الأمن يستهدف استصدار قرار جديد يتعامل مع الالتزامات المتبقية على العراق ، أخذا في الاعتبار التوصيات التي اعتمدتها لجان التقييم الثلاث التي أوكل لها مجلس الأمن النظر في هذا الموضوع . إن الكويت في الوقت الذي تؤيد فيه النوايا المخلصة التي تُحرك أعضاء مجلس الأمن في مسعاهم الحالي والمتمثل في مشروع القرار البريطاني _ الهولندي والأفكار الأخرى المطروحة بشأنه ، لتؤكد من جديد أهمية الحفاظ على وحدة مجلس الأمن في معالجته لهذا الموضوع ، كما تدعو إلى ضمان التزام العراق بكافة متطلبات القرار 687 والذي يمثل وحدة سياسية وقانونية متكاملة . كما نؤكد مجددا تعاطف الكويت مع معاناة الشعب العراقي الشقيق التي تتحمل الحكومة العراقية وحدها مسؤولية استمرارها ، وتؤكد الكويت دعمها وتأييدها لجميع قرارات مجلس الأمن الرامية إلى تخفيف هذه المعاناة في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء كما نود أن نجدد التزامنا الثابت بضرورة المحافظة على استقلال وسيادة العراق ووحدة أراضيه وسلامته الإقليمية .

 

السيد الرئيس ،

          إن دولة الكويت ، ومن منطلق حرصها على تحقيق دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة لتؤكد موقفها الداعم لكافة الجهود الهادفة الى حل النزاع بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية إيران الإسلامية حول الجزر الإماراتية وذلك بالطرق السلمية بما في ذلك اللجوء الى محكمة العدل الدولية . وتؤكد في الوقت نفسه ترحيبها باستعداد جمهورية إيران الإسلامية الصديقة ببدء المفاوضات المباشرة مع دولة الإمارات العربية المتحدة . كما وتعرب دولة الكويت عن الأمل في أن يتحقق النجاح لأعمال اللجنة الوزارية الثلاثية التي شكلها مجلس التعاون لدول الخليج العربية لوضع آلية عمل بدء المفاوضات المباشرة من أجل حل الخلاف بشأن الجزر الإماراتية الثلاث بالطرق السلمية وبما يؤدي الى بناء الثقة وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة ويسهم في تطوير وتعزيز علاقات التعاون بين جمهورية إيران الإسلامية وجميع دول المنطقة.

 

السيد الرئيس ،

في الوقت الذي ترحب فيه الكويت باتفاق شرم الشيخ الذي تم توقيعه مؤخرا بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ، والذي يحدد الخطوات التنفيذية لاتفاق واي ريفر ، فإننا نطالب الحكومة الإسرائيلية الجديدة العمل على إحياء مسيرة السلام واستئناف المفاوضات على كافة المسارات. وهذا يعني الالتزام الأمين بالمبادئ والأسس والمرجعية التي قامت عليها العملية السلمية وعلى رأسها قراري مجلس الأمن 242 و 338 وصيغة الأرض مقابل السلام . ويشمل ذلك تنفيذ التعهدات والاتفاقات التي وقعت مع السلطة الفلسطينية في إطار العملية السلمية ، بما يؤدي الى إعادة كافة الحقوق العربية المشروعة وحصول الشعب الفلسطيني على كامل حقوقه الوطنية بما في ذلك إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس . ويتضمن ذلك أيضا قيام الحكومة الإسرائيلية بالكف عن سياسات الاستيطان غير المشروعة ومصادرة الأراضي والتوقف عن اتخاذ أية إجراءات أحادية الجانب لفرض الأمر الواقع في الأراضي المحتلة ، وعلى وجه الخصوص في مدينة القدس . ثم ضمان عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم بموجب قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة . إننا نستغرب ونرفض النوايا والتصريحات والتلميحات التي بدأت تُطرح مؤخرا للترويج لفكرة توطين اللاجئين بعيدا عن أرضهم وأرض آبائهم و أجدادهم . إن ذلك يعتبر تعديا على أبسط مبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية وحق تقرير المصير ، كما يعتبر من جهة أخرى اعتداءا على سيادة الدول الأخرى وتدخلا في شؤونها الداخلية .

    إن ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية المحتلة في الجولان ، وعودتها الى حدود الرابع من يونيو عام 1967 ، لهو الاختيار الحقيقي لمدى التزام إسرائيل بمبدأ الأرض مقابل السلام . كما أننا نطالب بأن توقف إسرائيل ممارستها العدوانية واعتداءاتها المتكرّرة على سيادة واستقلال أراضي الجمهورية اللبنانية الشقيقة . ونؤكد هنا على ضرورة انسحابها الفوري من جنوب لبنان وبقاعه الغربي وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 425 دون قيد أو شرط . ومن هذا المنطلق ، تؤكد الكويت تلازم المسارين السوري واللبناني إذا ما أريد للسلام العادل والدائم أن يتحقق. وإذ تقدر الكويت وتدعم جهود راعيي عملية السلام والاتحاد الأوروبي لإحياء العملية السلمية ، فإنها تدعوهم الى مواصلة تكثيف تلك الجهود خلال هذه المرحلة الحرجة التي تشهدها عملية السلام.

 

السيد الرئيس ،

    على الصعيد الإقليمي وانطلاقا من الروابط التاريخية والبشرية وتبادل المصالح الاقتصادية التي حتّمها البعد الجغرافي وعززها وعمّقها تواصل الشعوب بين منطقة الخليج العربي وكلا من الهند والباكستان البلدين الصديقين لدولة الكويت ، فإننا نتمنى على الجارين الصديقين الهند و الباكستان حل خلافاتهما الثنائية والمتعلقة بمنطقة جامو وكشمير بالطرق السلمية وبموجب قرارات الأمم المتحدة ، ونناشدهما باللجوء إلى الحوار ومخزون الحكمة الذي يتمتع به قادة الدولتين الصديقتين وتسخير مواردهما الاقتصادية خدمة لتنمية ورخاء شعبيهما وتعزيزا للأمن والاستقرار في هذه المنطقة الهامة من العالم لنحقق مناخا من الثقة المتبادلة والتعاون بدلا من التسابق في مضمار توازن الرعب.

 

السيد الرئيس ،

          ترحب الكويت بنتائج الاستفتاء الذي أجري تحت إشراف الأمم المتحدة في نهاية شهر أغسطس الماضي في تيمور الشرقية والذي قرر فيه شعب تيمور الشرقية مصيره بحرية وبضمانة وتعاون الحكومة الإندونيسية الصديقة . وفي الوقت الذي تابعت فيه الكويت بحزن وألم الأحداث الدموية التي شهدتها تيمور الشرقية حاليا ، لترحب بقرار مجلس الأمن الأخير والذي أنشأ قوة متعددة الجنسيات تهدف إلى وقف أعمال العنف وإعادة الأمن والاستقرار إلى ذلك الإقليم ، ونتمنى لهذه القوة النجاح في مهامها ، وندعو دول الجوار إلى احترام مهمتها ومساعدة شعب تيمور الشرقية في تحقيق طموحاتهم الشرعية ، كما تسجل الكويت للحكومة الإندونيسية الصديقة التزامها ومساعيها في وضع حد لأعمال العنف والقتل والدمار التي شهدتها تيمور الشرقية بعد الاستفتاء وذلك من خلال موافقتها على تشكيل واستقبال القوة متعددة الجنسيات .

 

السيد الرئيس ،

وعلى الصعيد الدولي أيضا ، ترحب الكويت باتفاق السلام الذي تم التوصل إليه بين قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) وجمهورية يوغسلافيا الاتحادية في كوسوفو بوصفه خطوة أولى نحو حل النزاع وإعادة المهجرين الكوسوفيين الى ديارهم ووقف الصراع وضمان الأمن والأمان والاستقرار لهم وتأمين حقهم في الحياة الحرّة الكريمة. وقد أثبتت أزمة البلقان التي تسبّبت بها حكومة يوغسلافيا الاتحادية بأنه لا غنى عن دور الأمم المتحدة في استتباب الأمن والسلام الدوليين وإضفاء الشرعية والمصداقية على أية حلول يتم التوصل إليها ، سواء في إطار إقليمي أو دولي . وتشجع الكويت من جانبها استمرار هذا الدور ودعمه حتى تتم تسوية الأزمة بشكل نهائي.

 

السيد الرئيس ،

          يعيش العالم اليوم ثورة في مجال الاتصالات ساعدت على تقصير المسافات بين الدول واختصارها حيث أصبح عالمنا بالفعل كالقرية الواحدة يتفاعل مع الأحداث التي تقع في أي مكان أو جزء منه . فاندماج اقتصاديات الدول أصبح مطلبا للمضي في خطط وبرامج التنمية وتحقيق التقدم والازدهار للشعوب . فالسياسات الانفرادية والانعزالية أضحت من سمات الماضي وغير ممكنة في ظل نظام دولي جديد ذي طابع شمولي ينمو بسرعة فائقة.

          فهذا النظام الجديد الذي يطلق عليه نظام العولمة ، يحتم علينا العمل سويا لوضع أسس وقواعد وترتيبات تضمن تحقيق الرخاء والتقدم من خلال إتاحة الفرص للإمكانيات والمعونات المالية والفنية أن تتدفق لتشحذ الإمكانيات الوطنية لدى كل دولة لتبرز مساهماتها في صنع الحضارة البشرية ، وبالتالي لا بد أن تقوم الدول المتقدمة بزيادة المساعدات الاقتصادية والفنية للدول النامية وتوسيع مجالاتها لتبادل المعلومات والخبرات وتضييق هوّة الفجوة في مجال التكنولوجيا والاتصالات. كما لا بدّ أن تتضافر الجهود الدولية ، وتتركز لتواجه التحدي الجديد الذي بدأ يواجه العديد من دولنا بسبب ندرة المياه العذبة ، والمستفادة من مخزوناتها ، على قاعدة من العدالة ، والإحساس بالمشاركة في الاستفادة من هذا الشريان الذي هو أصل الحياة. وفي هذا السياق ، تستمر الكويت في مسيرتها وجهودها الرامية الى دعم المشاريع التنموية في كثير من البلدان النامية عن طريق قيام الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية بتقديم قروض مالية طويلة الأجل وبفوائد ميسّرة . كما تساهم الكويت من جانب آخر ووفق إمكانياتها بكثير من البرامج التنموية التي تقوم بتمويلها المؤسسات المالية الدولية والإقليمية وأجهزة الأمم المتحدة . وتعتزم الكويت مواصلة نهجها هذا انطلاقا من قناعتها بأن التنمية هي مفتاح التقدم ودافع رئيسي لإشاعة الأمن والاستقرار ، وأن تقديم المساعدة واجب على المقتدر ، وان الاحترام المتبادل والانفتاح بين الدول أساسه المشاركة والتعاون.

 

السيد الرئيس ،

          يودع عالمنا بعد قليل م